الخميس، 3 مارس 2011

الإسلام دين ودولة .. مصر دولة إسلامية


الدين الرسمى فى بريطانيا هو الدين المسيحى وفق تعاليم كنيسة انجلترا , ويمثل المسيحيون نسبة 71% من السكان , كما أن الدين الرسمى فى الدنمارك هو اللوثرية وهى أحد مذاهب البروتستانتية , حيث أن نسبة  80.9٪  من سكان الدنمارك هم أعضاء في الكنيسة الوطنية الدنماركية , وذلك وفقاً للإحصاءات الرسمية في يناير 2010. 
وهما تمثلان نموذجاً لبعض الدول المتقدمة التى تتخذ لها ديناً رسمياً دون أن يوجه لها اللوم لذلك , فمن حق كل دولة أن تتخذ ما تراه مناسباً لها فى هذا الشأن.

حتى أن دولة من دول الاحتلال الغاشم مثل اسرائيل تحاول انتزاع الاعتراف بها كدولة يهودية فى ظل وجود تعددية دينية , وقد اعترفت بها الولايات المتحدة الأمريكية بالفعل. 

ومع ذلك فان هناك أيضاً الكثير من الدول العلمانية أو اللا دينية وفقاً لقوانينها مثل فرنسا واليونان و أسبانيا وغيرها.  

ولكن ما أعتقد أننا نتفق عليه هو أنه من الطبيعى جداً , ليس فى مصر فقط , بل فى جميع دول العالم أن يكون هناك أغلبية وأقليات , وهذه الأقليات إنما تمت تسميتها بذلك استناداً إلى الأعداد التى تمثلها كل فئةٍ أو طائفةٍ أو عرقٍ ما فى مجتمعٍ ما كنسبةٍ من العدد الإجمالى للسكان فى ذلك المجتمع.

وهناك الكثير من الأقليات المسلمة فى دول العالم المختلفة والتى تحترم الأغلبيات غير المسلمة وتتعايش معها وتلتزم بقوانينها , وهو أمرٌ طبيعىٌ ومنطقىٌ وواجبٌ على أية أقلية فى أى مكانٍ فى العالم , ولا تعنى الأقلية العددية - بأى حالٍ من الأحوال - الدونية أو التهميش وعدم الأهمية ( فى الإسلام على أقل تقدير ) , والمهم هنا هو أن تقوم الأغلبية وتحرص على رعاية شئون أية أقلية تشاركها العيش على أرض وطنٍ واحدمع مراعاة احتياجات أصحاب الأقليات وتطلعاتهم وضمان حرياتهم فى التعبير عن تلك الاحتياجات , وضمان ممارسة الشعائر والعبادات الخاصة بها , وهذا ما يكفله الإسلام بالفعل.

وفى مصر على وجه الخصوص , لا بد أن يكون هذا الأمر واضحاً للجميع ( مسلمين ومسيحيين ) , ففى اعتقادى وقناعتى أن من حق المسيحيين فى مصر التعبير بحرية عن أنفسهم بكل الطرق المشروعة التى يجب أن يكفلها لهم القانون وبالأسلوب اللائق بمناخ الحرية والديمقراطية الجديد الذى يعم مصر الآن والحمد لله , ولا مانع عندى - وعند كل شخصٍ عنده قدرٌ من العدالة والوطنية - من أن يكون لهم من يمثلهم بشكلٍ رسمى أمام أى جهة داخل مصروليس خارجها طبعاً - إذا تطلب الأمر ذلك , حيث أنهم مواطنون مصريون متساوون مع غيرهم من بقية طوائف الشعب فى الحقوق والواجبات , هذا مع ضمان حقهم فى بناء الكنائس وفقاً للتوسع العمرانى وطبقاً للزيادة السكانية الطبيعية والمنطقية لأعدادهم , وبحث أى متطلبات قد يرون عرضها وفقاً لما سبق.

ومما لا يعلمه أو يغفل عنه - بل وأحياناً يتغافل عنه - الكثير من غير المسلمين , أنه لولا تسامح الاسلام وعدالته كدين , لما كان هناك مسيحياً أو يهودياً واحداً عاش أو يعيش على أرض مصر , بل على أرض أى بلد مسلم , أكثر من ألف وأربعمائة سنة , حتى أن المؤرخ والفيلسوف الكبير د. عبد الرحمن بدوى - رحمه الله - ذكر أن عدد المسيحيين فى مصر ظل أكبر من عدد المسلمين حتى القرن السادس الهجرى , أى بعد فتح المسلمين لمصر بستة قرون.

وتاريخنا الرائع ملىء بأروع قصص الانتصار للحق , وان كان صاحبه من الأقلية غير المسلمة , فى مواجهة أى شخص وان كان الحاكم المسلم نفسه ..

فها هو خليفة المسلمين عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) يستدعى والى مصر المسلم عمرو بن العاص ( رضى الله عنه ) وابنه لبحث شكوى مواطن نصرانى ضد الوالى وابنه , ويجعل المواطن النصرانى يقتصّ من الوالى وابنه أمام عينيه ويقول قولته الرائعة الشهيرة : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ )

وهذا الخليفة المسلم على بن أبى طالب (كرّم الله وجهه) يختلف مع مواطن يهودى حول درعٍ يدّعى كلٌ منهما أنها له , فيحتكمان الى القاضى ولا يستطيع الخليفة اثبات حقه , فيحكم القاضى لصالح المواطن اليهودى.

وهذا لا ينفى - للأسف الشديد - وجوب الاعتراف بوجود بعض التجاوزات غير المقبولة من بعض المسلمين المتعصبين أو الجاهلين منهم بتعاليم دينهم وكيفية تعامل المسلمين مع غيرهم , وما يجب عليهم اتباعه تجاه الأقليات غير المسلمة وفقاً لما ورد فى القرآن الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم , وهو بالتأكيد ليس عيباً فى الإسلام , بل العيب فى الكثير من المسلمين المعاصرين , وهو أمر ناتج - فى اعتقادى - عن تبنّى معظم الأنظمة العربية الحاكمة - بالتعاون مع القوى المعادية للاسلام - لسياسة طويلة الأمد استهدفت كل التيارات الاسلامية دون التفريق بين المعتدل منها وبين المتطرف الذى يشوه صورة الإسلام ويسىء إلى سمعة المسلمين.   

أما بخصوص المادة الثانية من الدستور المصرى والتى ثار حولها جدل كبير فى الآونة الأخيرة , فهناك أمر أود أن أوضحه , وهو أن أى مادة من الدستور لا يمكن أن تتغير الا بعد موافقة أغلبية الشعب من خلال استفتاء عام , وحيث أن الغالبية الساحقة من سكان مصر مسلمون , لذا فمن المستحيل ( فى تصورى ) أن تلغى أو تعدل هذه المادة بأى حال من الأحوال , فليطمئن الجميع وليهدأوا ولتتقبل الأقلية ( مع الاقرار بحقوقها ) الأمر الواقع بصدر رحب حتى لا نثير فتنة لا داعى لها أصلاً , خاصة فى ظل الوضع الراهن فى مصرنا الحبيبة , وليعلم الجميع أنها إحدى سنن الحياة أن يكون هناك أغلبية وأقلية.


وقد وجدت أنه فى رأى البعض من التيارات الاسلامية المعتدلة أو المتوازنة , يرون أن الدولة المدنية تعنى أيضاً أنها علمانية , كما ذكر بعض السلفيين مثلاً فى أحد مؤتمراتهم ( كما هو موضح بالجانب الأيسر من الصورة بعاليه ) , وهو ما أعتقد أنه ليس بالضرورة أن تكون كذلك.


ومن هذا المنطلق , وفى ضوء كل ما سبق , وفى ظل الظروف التى تمر بها البلاد , فإنه فى اعتقادى الشخصى أن الوضع المثالى والصورة الأفضل والمناسبة لمصر ولجميع أبنائها الآن هو أن تكون دولة مدنية ذات مرجعية اسلامية , مبنيةٌ على حرية الشعب الكاملة فى اختيار من يمثله على جميع المستويات عن طريق انتخاباتٍ حرة , تكفل الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها على اختلاف انتماءاتهم بشكلٍ واضحٍ ونصوصٍ صريحةٍ لا لبس فيها ولا مجال للتأويل.   

واللهَ أسألُ أن يحفظ مصر وشعبها , وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان , فى ظل أُخُوَّةِ جميع أبنائها..
                                                          والله ولى التوفيق

هناك تعليقان (2):

  1. اتفق معك فى رأيك أخى محمد ، نعم فالأقليات يجب ان تحترم الاغلبية ، لكن المشكلة فى البلد نفسها اعتقد لو فكرت بوجهة نظر اخواننا المسيحين ، فهم لايريدون فرقاً اجتماعياً او طائفياً بيننا فإن بنى مسجد بالمثل يجب بناء كنيسة مالايدركونه ان مصر دولة اسلاميه ، والاغلبيه مسلمين فمن المنطقى ان تكون عدد المساجد أكبر لاسيما ان لدينا 5 صلوات قى اليوم ، والله أعلم ، عموماً شكرا أخى محمد على المقال فى انتظار باقى ابداعتك

    ردحذف
  2. " إن الله يقيم دولة العدل وإن كانت كافرة. ولا يقيم دولة الظلم وإن كانت مسلمة ) .. مقولةٌ رائعة للإمام ابن تيمية رحمه الله ..

    ووجود الأغلبية والأقلية من الأمور الطبيعية والمنطقية الموجودة فى كل دول العالم تقريباً , وهو ما ينبغى أن يتفهمه ويتقبله جميع المواطنين ..

    شريطة أن يكون ذلك فى إطار العدالة والمواطنة.

    بارك الله فيك أخى مصطفى.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه