الاثنين، 7 مارس 2011

الشرطة الجديدة

الشرطة الجديدة !

عندما نتأمل هذه الصور لمواقف متفرقة للشرطة المصرية فقد لا تفزعنا , نظراً لأننا قد تربينا على مشاهدتها ومعايشتها منذ الصغر وعلى مدار عشرات السنين ,حتى أصبحت هذه المشاهد - مع الأسف الشديد - جزءً لا يتجزّأ من حياة المصريين , بل أصبحت محفورةً فى وجدانهم معشعشةً داخل عقولهم , وأصبح من الصعب محو آثارها , على الأقل فى المدى القصير.

 وأعتقد أن الشعور الحالى بعدم الثقة من جماهير الشعب تجاه الشرطة هو نتيجة طبيعية لتراكم آثار هذه التعاملات على نفسياتهم على مدار سنواتٍ طوال.




إنها مأساةٌ تعبر عنها الصور دون اضافة أية كلمة , فمهما حاولنا تنميق الكلمات وشرح تفاصيل الأحداث , فان الصورة لا تكذب ولا تتجمّل.

وعلى الرغم من ذلك , فلا بد من الاعتراف بأهمية دور أجهزة الشرطة المختلفة وأهمية عودتها للقيام بدورها فى حماية الوطن وخدمة المواطنين ورعاية مصالحهم باعتباره حقٌ لكل مواطن واجبٌ على رجال الشرطة دون تفضلٍ منهم بذلك أو منّة.

واجبٌ قد يكونوا قد غفلوا عنه فى ظل نظامٍ فاسدٍ حوّلهم من خادمين للوطن الى خدمٍ لحكامه , حتى صاروا الى درجةٍ هى أقرب للعبيد الذين يأتمرون بأمر سيدهم منها الى كونهم موظفون فى الدولة لهم اختصاصات محددة يجب ألا يحيدوا عنها تحت أى ظرف , يؤدونها خدمةً للشعب والوطن دونما اعتبارٍ لشخصية الحاكم ومهما تبدّل عليهم الحكام وتغيروا , فالحكام وان طال بقاؤهم زائلون , والمبادىء وان حاولوا طمسها باقية لا تزول.

ولعل اخوتنا من رجال الشرطة - أو على الأقل معظمهم - قد تعلموا الدرس من ثورتنا الملهمة , وقد يكون الدرس قد جاء متأخراً , ولكن المهم أنه جاء والأهم أن نكون جميعنا - نحن شعب مصر بكل طوائفه بما فيهم رجال الشرطة - أن نكون قد استوعبنا الدرس جيداً وتعلمنا ألا نترك زمام الأمر مرة أخرى فى يد شخصٍ واحدٍ أو فى أيدى حفنة منتفعين يُسيّرون الدولة كيفما شاءوا حسب أهوائهم دون حسيبٍ أو رقيب من الشعب بمساعدة الشرطة.

وفى هذا الاطار , يُثار الآن جدلٌ كبير حول مطالبة البعض بحل جهاز أمن الدولة , الذى يُعد أهم أجهزة وزارة الداخلية والمتهم الأول فى تجاوزات الشرطة ضد المواطنين وقيامه بالكثير من الانتهاكات فى حق الشعب وبما لا يخفى على أحد من التدخل فى كل شئون المواطنين بدءً من التعيينات فى الوظائف ( وخاصة وظائف الادارات العليا ) ومروراً بوجوب الحصول على اذن مسبق لعقد أى اجتماع أو ندوة وانتهاءً بالاعتقالات دون وجه حق وبدون أحكام قضائية , مما جعله يحيد عن دوره الحقيقى فى الحفاظ على أمن الدولة وأصبح أمناً للنظام الحاكم وبعض أفراده.

وللحقيقة , فان هذه الانتهاكات قد عانى منها معظم أبناء الشعب بصورةٍ أو بأخرى , وبعد قيام الثورة , كان من الطبيعى جداً , بل والمنطقى , أن ينقلب المظلوم على من ظلمه وأن يطالب بثأره , بدايةً من رأس النظام وانتهاءً بذيوله والتى يُعد جهاز أمن الدولة أشهرها على الاطلاق.

ومع ذلك فانى أعتقد - من وجهة نظرى - أننا لا بد أن نسلم بأهمية هذا الجهاز للأمن الوطنى وأنه لا غنى عن دوره فى الحفاظ على الأمن الداخلى خاصةً فيما يتعلق بمكافحة الارهاب أو أعمال البلطجة أو التجسس وغيرها من المهام المنوط بها , سواءً بمفرده أو بالتنسيق مع أجهزةٍ أخرى داخل الدولة , مع وجوب التسليم أيضاً بأن هناك الكثيرين من أبناء الشرطة الشرفاء ( داخل جهاز أمن الدولة وخارجه ) والذين لم يكونوا يوماً راضين عن أية تجاوزات أو انتهاكات أو على أقل تقدير لم يشاركوا فيها فى أى وقت.

وهنا لا بد من الخروج من هذه الأزمة من خلال تفكيرٍ مجرد وموضوعى لإيجاد معادلة متوازنة ترضى جميع الأطراف بما يحقق فى ذات الوقت مصلحة الوطن أولاً ولا يضر بها بأية صورة من الصور , فمصرنا فوق الجميع ومصلحتها فوق كل اعتبار , وهو أمر - بالتأكيد - لا خلاف عليه بين كل أبناء الوطن بعيداً عن التجريح أواتهام أحد بالعمالة أوالخيانة ( سواءً من عناصر أمن الدولة المغضوب عليه بسبب انتهاكاته المعروفة أو مَن يطالبون بحله باتهامهم بالعمل لحساب أجندات خارجية ) , فكلنا - شئنا أم أبينا -مصريون , حتى وان أخطأ البعض منا (مع التسليم بوجوب محاسبته) , ويكفى ما عانيناه من اتهامات النظام السابق لكل من يخالفه بالعمالة ومحاولة احتكاره للوطنية.

وفى تصورى , أن هذه المعادلة لا بد أن تستند الى بعض العناصر الأساسية وهى :
1- الابقاء على جهاز أمن الدولة باعتباره أحد الأجهزة المهمة لأمن الدولة.
2- اعادة صياغة المهام المنوط بها وتحديدها بعد الغاء المهام سيئة السمعة التى كان يتبناها فى النظام السابق.
3- اعادة هيكلته بالكامل بحيث :
    أ- يتم استبعاد العناصر التى ثبت ضلوعها فى القيام بأى عمل يتنافى وحقوق الانسان فوراً وتقديمهم للمحاكمة.
    ب- الابقاء على العناصر ذات السمعة الطيبة والتى لم يثبت تورطها فى أية أعمال من هذا القبيل أو كانت طبيعة عملها داخل الجهاز لا تتعرض أصلاً لمثل هذه الأعمال , مع الأخذ فى الاعتبار خبراتهم التى اكتسبوها من العمل بالجهاز مما يجعل بقاءهم ضرورى لاستمرار عمل الجهاز بكفاءة
 
    ج- تطعيم الجهاز بالعناصر ذات السمعة الحسنة والكفاءة العالية من أفراد وزارة الداخلية.
4- وضع الأسس الأخلاقية والمهنية التى يتم اختيار العناصر التى تعمل بالجهاز بناءً عليها بعد اجتياز اختبارات معينة تفيد بتوفر هذه الأسس فيمن يعمل بالجهاز.

5- تغيير الاسم قد يكون مفيداً فى كثير من الأحيان فى محاولة - ستكون مثمرةً إن شاء الله - لتهيأة الشعب ليتقبله كجهازٍ جديدٍ واقناعه بكونه مختلفٌ شكلاً وضموناً.
     
6- إعادة هيكلة وتحييد , ومن ثمّ تفعيل , دور المجلس القومى لحقوق الانسان للرقابة على جميع المنشآت والمؤسسات العامة والخاصة داخل مصر ( بما فيها وزارة الداخلية بجميع أجهزتها ) فيما يخص حقوق المواطنين , وتلقّى شكاوى المواطنين وبحثها حال حدوث انتهاكات من أية جهة داخل الدولة وخارجها والعمل على الدفاع عن حقوقهم بشتّى الوسائل الممكنة.

والخلاصة أننا نريد جهازاً جديداً لأمن الدولة ضمن منظومة جديدة للشرطة المصرية  وأن يكون حقاً اسماً على مسمى , لا جهازاً لأمن النظام أو لأمن الحكام أو بعض أفراده.

كان هذا اجتهادى الشخصى والذى قد لا يخلو من الخطأ , وكان فى حدود ماأعلم , ولربما غاب عنى الكثير الذى أدّى الى هذا التقصير , وقد يتفق معى البعض أو يختلف ولا حرج فى ذلك , فهو أمر طبيعى , خاصةً فى جو الديمقراطية وحرية الرأى الذى نعيشه الآن , وقد يضيف أحد القراء ما لم أكتبه فيسهم بأفكاره فى رسم الصورة المشرقة التى نتمناها لمصر التى نحبها جميعاً.

وعلى أية حال فانى أحتسب هذا الجهد عند الله الذى أسأل أن يتقبله , انه ولى ذلك والقادر عليه.  
  
وفى النهاية , نرجوا ألا تكون الشرطة الجديدة كما تخيلها بعض شباب مصر - المعروف بخفة ظله - فى مقطع الفيديو التالى :

        

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه