الجمعة، 18 مارس 2011

ما بين ترقيع الدستور..والغاؤه

ما بين ترقيع الدستور..والغاؤه

لأول مرةٍ يٌعقد فى مصر استفتاءٌ لا تكون نتيجته معروفة أو مٌعدّة مسبقاً , فما أسعدنا به..  انه استفتاءٌ حقيقى سيعبّر من خلاله كل أبناء الوطن الواحد عن آرائهم الحرة وفقاً لرؤية كل منهم دون وصايةٍ أو املاءٍ من أحد , وأصبح هناك فريقان ( فريق نعم , وفريق لا )  يتنافسان على الكسب وجذب المزيد من المؤيدين 

وعلى الرغم من السعادة التى أشعر بها لذلك , الا أنه ينتابنى الشعور بالحيرة حول ما يمكن أن يسفر عنه الاستفتاء على تعديلات الدستور المصرى والذى يُعد نقطة فاصلة فى تاريخ مصر , فلكلٍ من الفريقين وجهة نظره المحترمة , وكل فريقٍ منهما يملك من المبررات الوجيهة التى تدعوا الى الانضمام اليه.

 ولكن مما لفت انتباهى بشدة فى خضمّ اختلاف الفريقين , هو الطبيعة الغالبة على  أنصار كل فريق

 من حيث أيديولوجياتهم وأفكارهم , وأنا هنا سأوضح ذلك - من وجهة نظرى الشخصية - بدون تحيزٍ وساعياً أن أكون موضوعياً قدر ما أستطيع.


ولنبدأ بفريق نعم , فعندما نتأمل أنصاره , نجد أن معظم أعضائه من أصحاب الأحزاب أو الجماعات المنظمة , كالحزب الوطنى ( أو المتبقى منه ) وجماعة الاخوان المسلمون واللذان يملكان خبرةً كبيرةً فى العمل السياسى , وهم يمثلون الفريق الجاهز والمستعد دائماً لخوض الانتخابات فى أى وقت , بالاضافة الى بعض من ينتمون الى تيارات اسلامية مختلفة.


 ووجهة نظر هذا الفريق تتمحور حول :


- أن البلاد - منذ قيام الثورة - تعيش حالةً من الفوضى والانفلات على عدة أصعدة (وعلى رأسها  الصعيد الأمنى ) وانتشار عمليات الاعتصامات والاضرابات.


- أن هذه الحالة لا يجوز لها أن تستمر لفترة أطول , كون استمرارها لمدةٍ طويلة , يمكن أن يؤدى الى المزيد منها.


- أن القوات المسلحة لا يمكنها الاستمرار فى القيام بمهام الأمن الداخلى بديلاً عن الشرطة - التى يجب أن تعود فوراً للقيام بهذا الواجب.


- أن الجيش لا بد وأن يعود لأداء مهمته الأصيلة فى تأمين حدود الوطن بكامل طاقته وترك مسئولية حكم البلاد الى المدنيين فى أقرب وقت ممكن.


أن التعديلات الدستورية التى تمت والمزمع اجراء الاستفتاء عليها , كافيةٌ الى حدٍ كبير  لوضع مصر على عتبة الطريق الصحيح من أجل حياة ديمقراطية حقيقية كالاشراف القضائى الكامل على الانتخابات وقصر فرص الترشح للرئيس على مدتين رئاسيتين فقط


- أن هذه التعديلات نصت صراحةً على أن يتم وضع دستور جديد للبلاد من خلال لجنة يتم تشكيلها من أعضاء مجلسىّ الشعب والشورى المنتخبين خلال ستة أشهرٍ من انتخابهما , وبالتالى فان جميع مطالب فريق لا سوف تتحقق ان عاجلاً أو آجلاً.  


أما فريق لا , فمعظمه من شباب ائتلاف الثورة والتيار الليبرالى ومعظم الأحزاب السياسية - سواء القائمة منها أو تحت التأسيس - والذين يحتاجون الى المزيد من الوقت لترتيب أو لاعادة ترتيب أوراقهم.


وتتمحور وجهة نظرهذا الفريق حول النقاط الآتية :


- أن الثورة قد أسقطت شرعية الدستور القديم بالكامل ولم يعد له وجود أصلاً حتى يتم تعديله , وهو من المطالب الأساسية للثورة منذ البداية.


- أن التغيير الذى نادت به الثورة , لا يتجزّأ , وهى ثورةٌ على كل فاسدٍ تابعٍ للنظام السابق وعلى رأسه دستوره حتى يكون التغيير كاملاً وحقيقياً.


- أن القوات المسلحة قد استجابت بالفعل للأغلبية الساحقة من مطالب الثورة , فما الداعى اذن للابقاء على دستورٍ لا يلبى بقية المطالب المشروعة. 


- أنه كان على القوات المسلحة بدلاً من أن تكلف لجنة بتعديل الدستور السابق , كان من الأفضل لها - وللجميع - تكليف ذات اللجنة بوضع دستور جديد , حتى وان استغرق الأمر فترة أطول , بما يعنى بدايةً حقيقية لحلٍ جذرى لكل المشاكل التى خلفها النظام السابق. 


- أن الدستور الحالى لا تزال به بعض الثغرات غير المقبولة والتى يمكن أن تجعل التغيير مشوهاً ومنقوصاً , مثل المادة التى تنص على وجوب أن يكون على الأقل نصف أعضاء مجلسى الشعب والشورى من العمال والفلاحين , وهو ما لا يتناسب مع المرحلة الراهنة على الاطلاق.

وقد يرى البعض الأمر من منظور مصلحة كل طرف , حيث يمكن القول بأن من مصلحة الفريق الأول - المنظم جيداً -  أن تكون نتيجة التصويت هى نعم , حتى يجنى أفضل النتائج فى ظل المعطيات الراهنة واستعراض قوتهم على أرض الواقع والتى لا تخفى على أحد , ومن ثم محاولة توجيه والتحكم فى  الدفة السياسية لمصر فى المرحلة المقبلة.
    
أما مصلحة الفريق الثانى فتتطلب التصويت بلا , من أجل الحصول على الفرصة المناسبة للدخول بقوة فى انتخابات مجلس الشعب القادمة وعدم ترك الفرصة السانحة للتغيير الحقيقى - من وجهة نظرهم - بالاضافة الى التخوف من عودة فلول الحزب الوطنى الى السطح السياسى من جديد عن طريق مجلس الشعب القادم الذى سيكون له أكبر الدور فى ادارة الحياة السياسية فى مصر - على الأقل لخمس سنوات قادمة.

ومع ذلك , فان هناك الكثير من أبناء الشعب البسطاء الذين ليست لديهم أية ايديولوجية  خاصة أو مرجعية تحكمهم , وهم منقسمون وموزعون بين الفريقين , وهو مما يغمرنى بالسعادة حقاً بأن أرى الشعب المصرى يقرر مصيره بنفسه , والأجمل أن أكون واحداً من المشاركين فيه.

هذه بعض الاجتهادات حول هذه المسألة الشائكة دون التشكيك فى وطنية أى من الفريقين ( بما فيهم الكثير من أعضاء الحزب الوطنى ) واشتراكهم جميعاً فى حرصهم على مصلحة مصر , كلٌ من وجهة نظره , وبالتالى فان الأقلية سيقبلون برأى الأغلبية أيا كانت النتيجة , وهو الجانب الأهم.

أسأل الله مخلصاً أن يجنّب مصرنا الفتن , وأن يلهمنا اتخاذ القرار الصائب من أجل مصر حرة ديمقراطية مستقرة خالية من الفاسدين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه