الثلاثاء، 29 مارس 2011

الثورة لا تعنى الفوضى

الثورة لا تعنى الفوضى

حتى نتَّسم بالموضوعية , لا يصح لنا أن نتهم الثورة المضادة - التى يقف وراءها بالفعل بعض المنتفعين من نظام مبارك - بكل ما يحدث فى مصر من بعض مظاهر الفوضى  والتجاوزات والاضرابات والاعتصامات وأعمال البلطجة واعتبارها السبب الوحيد فى ذلك , وهو ما لا يتعارض اطلاقاً مع إقرارنا التام بوجود هؤلاء وبأنهم لن يستسلموا بسهولة ولن يتنازلوا عن السطوة والنفوذ والسيطرة على مقدرات مصر والتحكم فيها تبعاً لأهوائهم وبأنهم سيبذلون كل ما بوسعهم من أجل استعادة وضعهم السابق فى محاولات يائسة للفرار من المحاكمة.




ولربما يكون من السذاجة أن نتصور أن مبارك - بعد كل النفوذ الضخم الذى كان يتمتع به - لم يتبقى له أى أنصار فى العديد من أجهزة الدولة , بل من الطبيعى بعد أن ظل هو
 وأنصاره مجتمعين على كلمة سواء ( وهى الانتفاع المتبادل ) أن يتخلوا عن تلك المنافع دون أن يحاولوا - على الأقل - الاحتفاظ بها أطول فترة ممكنة.

وصحيحٌ أننا لا يمكن أن نغفل ما يمكن أن يقوم به بعض ضباط جهاز أمن الدولة السابق من محاولات لزعزعة الاستقرار والانقلاب على الثورة التى انتزعت منهم كل شىء بصورة لم يكن يتخيلها أكثرهم تشاؤماً أو أشدنا تفاؤلاً , وبعد أن كان يلعب دور  المخوفاتى للشعب , صار هو الذى يفر من الشعب خوفاً منه , خاصة وأنهم يجلسون الآن فى بيوتهم منتظرين  تحديد مصيرهم.

وكذلك لا يمكننا أن ننسى أن معظم أعضاء الحزب الوطنى - الحاكم سابقاً - كم استفادوا من وضعهم كأعضاء فى ذلك الحزب , وخاصةً من كان منهم عضواً فى مجلس الشعب  وأنفق فى سبيل الحصول على تلك العضوية كل غالى ونفيس من أموالٍ على الدعايا أو الرشاوى , وقد تكبدوا خسائر جمّة بسبب حل ذلك المجلس.

لذا فإن الكثيرين منهم  يخططون ويسعون بشتى الوسائل إلى العودة مرة أخرى بما فى ذلك إنشاء أحزاب جديدة أو الانضمام الى أحزاب قائمة , وإن لم يستطيعوا العودة فليكن قانون شمشون ( عليّا وعلى أعدائى ) وخليها تخرب على الكل.

أما أعضاء حكوماتنا ( الذكية وما قبلها ) التى فسدت وأفسدت , فلم يتصور أى فردٍ منها أو يمر بخاطره أن يأتى اليوم الذى فيه يُسأل عما يعمل ناهيك عن أن يُحاكم أو يُسجن , وهو أمرٌ قد يكونوا غير مصدقين له حتى الآن , وهو ما يمكن أن يجعلهم يلجأون الى فعل أى شىء فى سبيل  أن يفيقوا من الكابوس الذى يعيشونه وأولادهم. 

وهذا بالاضافة الى ما يتردد الآن حول أن هناك بعضاً من عناصر الجيش غير راضية عما يقوم به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ( فيما هو مُعلن على الأقل )  من  إجراءات من أجل انتقال السلطة الى المدنيين ويرون أنهم أحق بإدارة البلاد فى الفترة القادمة. 

وبالتالى فإنه ليس من مصلحة أحدٍ من هؤلاء  اكتمال الثورة وتحقيقها لأهدافها , لذا فهم يعملون على إجهاضها أو عرقلة وإبطاء خطواتها على الأقل لكسب الوقت من أجل إعادة ترتيب أوراقهم , فانتشرت مظاهر الفوضى فى كل مكان تقريباً , فها هى الاعتصامات والاحتجاجات الفئوية تجتاح معظم الشركات والمصالح الحكومية وأصبحت الفوضى هى السمة الغالبة عليها.

 فهذا الموظف لا ينفذ تعليمات مديره , وذاك المرؤوس يطالب بإقالة رئيسه , لا لشىءٍ سوى التغيير من أجل التغيير فى حد ذاته ودون أى مبرر منطقى , وأصبح العامل - غير المثبّت أصلاً - له مطالبه الخاصة التى ليس لها أى سند قانونى فى كثير من الأحيان , وهؤلاء يحاولون جمع أكبر قدر ممكن من الطلبات إستغلالاً للفرصة وكله باسم الثورة التى تتبرأ من أمثال هؤلاء الذين ظنوا - مع الأسف - أنها ثورة على كل النظام بما فيه المعنى الحرفى للكلمة , وأصبحت موجة يحاول الجميع ركوبها قبل وصولها الى الشاطىء وإنتهائها.            

وعلى الرغم من الأهمية البالغة لكل ما ذكرناه عن الجهات التى يمكن أن تكون داعمة لكل مظاهر الفوضى والثورة المضادة , إلا أننا أيضاً لا يمكن أن نغفل الجانب الآخر المتثمل فى نسبة كبيرة من الشعب المصرى نفسه , ويمكن تلخيصه فى الآتى :

أن الغالبية العظمى من شعبنا الذى تعوّد القهر على أيدى حكامه ولم يتعوّد الحرية ,  وكنتيجة مباشرة لذلك , فقد أصبح يفتقد - بنسبة كبيرة - إلى التوازن النفسى الذى يمكن من خلاله أن يفرّق بين الحرية المقيّدة التى لا تخل بالنظام العام , وبين الحرية المطلقة التى هى الفوضى بعينها.

- أن الشائعات كانت ولا تزال تلعب دوراً كبيراً فى التأثير فى عقلية الشعب المصرى     ( بشكلٍ عام ) على نحوٍ يؤدى الى توجيهه لاتخاذ أفعالٍ أو ردود أفعال معينة تجاه قضية معينة , خاصة وأن نسبة كبيرة  منه أميين أو أنصاف متعلمين من السهل التلاعب بعقولهم , والذين بدورهم يشكلون نسبة لا يُستهان بها من موظفى الدولة.

- أن غالب الشعب المصرى يعانى الآن من التعجل فى جنى ثمار الثورة , وذلك يرجع بشكل أساسى - من وجهة نظرى - إلى تربية النظام السابق له على مدار سنوات طويلة , حيث أغفل عمداً فى تربيته أن تكون له رؤية بعيدة المدى , بل وحرص حرصاً شديداً أثناء تشكيله لشخصية المواطن المصرى , على ألا يكون له أى تصور عن المستقبل , فأصبح الأصل عنده النظر تحت قدميه.

- أن هناك نسبة مؤثرة وموجودة بين الشعب تعمل لحساب أجندات خاصة - داخلية أو خارجية - ليست على قدر المسؤولية أو لا تتمتع بالحس الوطنى الصحيح , وفى ذات الوقت تعمل على انتشار تلك الأجندات - أو فرضها إذا لزم الأمر - وهى فئاتٌ متناحرة تتصارع فيما بينها فى محاولةٍ لتوجيه الشعب نحو أهدافها الخاصة.  

وفى تصورى أن هناك بعض الحلول التى يمكن أن يكون لها دورٌ كبيرٌ فى الخروج بالثورة الى بر الأمان والتى يمكن أن تكون كالآتى :

1- توجيه الاعلام بشكلٍ عاجلٍ ومنظم وممنهج نحو توعية المواطنين بخطورة المرحلة الحالية التى تمر بها البلاد وبضرورة التكاتف من أجل الخروج بمصر إلى بر الأمان.

2- توجيه الاعلام بشكلٍ علمى.. نحو إعلاء قيمة المواطنة داخل نفوس المصريين بكل طوائفهم وإذكاء روح الانتماء بداخلهم.

3- وضع رؤية عامة طموحة يمكن أن يجتمع عليها الشعب عما يمكننا تحقيقه من تقدم ورفاهية فى ظل العهد الجديد بعد زوال كل أركان الفساد فى المجتمع , وبث هذه الرؤية ونشرها عبر وسائل الاعلام المختلفة لزرعها داخل كيان كل مواطن وإشعاره بأهمية الدور الذى يمكنه القيام به لتحقيق نهضتها , مما يزيد من شعوره بالانتماء لوطنه وإحساسه بالمسئولية تجاه حمايتها من أعدائها فى الداخل والخارج , ويمكن لمجلس الوزراء أن يقوم بهذا الدور- الهام والضرورى فى هذه المرحلة - بالتنسيق مع الاعلاميين الشرفاء , ( لاحظ الدور المحورى للاعلام فى الحلول الثلاثة الأولى ). 

4- وضع نظام محدد ومعلوم الملامح  للتعبير عن الرأى بحرية دون المساس بأمن الوطن وسلامته ومصالحه.

5- الضرب بكل قوة - ودون هوادةٍ أو شفاعةٍ لأحد - على أيدى كل من يحاول إثارة الشغب أوتعطيل سير العمل فى أى مكان على أرض مصر , وإن إدّعى أن دوافعه نبيلة أو كانت كذلك بالفعل , فهو شخصٌ ينقصه الوعى فى جميع الأحوال.

6- الاستمرار فى محاسبة ومحاكمة كل المسئولين عن كل وقائع الفساد التى قام بها النظام السابق بكل رموزه دون استثناء من ذيله الى رأسه والإبلاغ عنها , وترك هذا الأمر لأهل الاختصاص فيه كالنيابة العامة والجهاز المركزى للمحاسبات والجهات الرقابية , مع استمرار متابعة تنفيذ ذلك على الوجه الأكمل , حتى عودة الحقوق لأصحابها , ولكن دون أن نظل جميعنا مشغولين به طوال الوقت تاركين أولويات أخرى. 

7- التركيز التام - بدءاً من الآن - من أجل التفرغ لعملية بناء الأمجاد , كما قال إمامنا الشعراوى عليه رحمة الله , وتكريس الشعب المصرى كله من أجل هذه المهمة المقدسة.

 هذا ما يجب أن نتكاتف جميعاً - نحن محبى مصر المخلصين - كلٌ منا فى مكانه , من أجل تحقيقه , لنخرج بمصرنا من عنق الزجاجة ونفوت على أعداء الثورة أية فرصة للعودة بأى شكلٍ كان ..


ولننعم وأولادنا بنتاج كفاحنا من أجل الحرية والعيش فى وطننا بكرامة , لا يحكمنا إلا من نختاره نحن , فى ظل مناخٍ تعمّه الشفافية ويخلو من كل أشكال الفساد , فيُخرج لنا الله بركات هذه الأرض التى حجبت عنا خيراتها من قبل لسنوات بأيدى وبفعل بعض أبنائها , فيتبدّل ضيق العيش بسعةٍ وسعادة تعم أرجاء الوطن...

إنه ولىّ ذلك والقادر عليه.         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه