الأحد، 24 أبريل 2011

كيف نصنع الشرطة المتوازنة ؟

كيف نصنع الشرطة المتوازنة ؟
قضايا إعلامية
إستمراراً لحالة الفوضى الثورية التى تجتاح المجتمع المصرى ( بشكلٍ عام ) فى الوقت الراهن , ومع الحالة الشعورية التى أصبحت تسيطر على كيان المواطن المصرى بأن كل شىء ممكن تحقيقه بمزيدٍ من المظاهرات مع مزيجٍ من الاعتصامات المصحوبة ببعض التطاول على الكبار , وحتى يؤتى الأمر ثماره .. فلا بد من عدم التوقير أو الاحترام لأحد , ولا بد أيضاً من استعراض القوة التى ظلت كامنة لسنوات طويلة وخاصةً على رجال الشرطة الذين يستحقون منا كل " التكدير والإمتهان " رداً لجميلهم الذى صنعوه فينا على مدار فترة حكم الرئيس المخلوع .



وقد سبق وذكرنا فى مقالٍ بعنوان " الشرطة الجديدة " بعض التجاوزات التى كانت ترتكبها بعض أجهزة الشرطة المصرية فى حق المواطنين قبل ثورة 25 يناير والتى قد يتضح بعضاً منها فى مقال " بلاغ إلى وزير الداخلية " والتى لا يمكن انكار حدوثها .. بل إنه - للحقيقة - أمرٌ لن يستطيع التاريخ محوه من الذاكرة.


كما ذكرنا أهمية الدور الذى تؤديه الشرطة فى حماية الأمن الوطنى ورعاية المواطنين وخدمتهم وأن هذا هو الدور الأصيل للشرطة دون تفضّلٍ من أحدٍ أو منّة , وقمنا بتركيز حديثنا على جهاز أمن الدولة ( السابق ) باعتباره أحد أكثر الأدوات التى استخدمها النظام السابق فى عمليات انتهاك حقوق المواطنين بشكلٍ منظم , واستعرضنا التصور الذى يمكن أن يكون عليه فى المرحلة القادمة إن شاء الله , والذى أعتقد بأن القيادات الجديدة فى وزارة الداخلية صادقةٌ فى الحرص على تحقيقه.


وعلى الرغم من الأفعال المشينة لبعض رجال الشرطة فى مرحلة ما قبل الثورة المباركة والتى كان الحفاظ على كرامة المواطن أحد أهم شعاراتها المعلنة منذ بدايتها , إلا أنه لم يكن يخطر ببالى أن يتحول المجنى عليه إلى جانى أو أن يتحول المواطن المصرى المسالم بطبعه والمغلوب على أمره فى كثيرٍ من الأحيان إلى شخصٍ يبادر بالعدوان والإفتراء بل إلى الإعتداء على رجال الشرطة لفظاً وفعلاً فى بعض الأحيان , حتى أصبح الأمر عند السذّج من المواطنين وكأن رجل الشرطة هو أحد الأعداء الذين يجب محاربتهم والقضاء عليهم , وهو ما يشكل خطراً على أمن البلاد حال استمراره , هذا ويمكن أن يؤدى استمرار الضغط على الشرطة بهذه الصورة ومنعها من أداء مهامها على الوجه الصحيح إلى إيجاد مبررٍ ليس لعودة الشرطة كما كانت , بل تحويلها إلى أسوأ مما كانت , وهو ما لا يتمناه أحدٌ إلا بعض رجال الشرطة بالطبع.
 
ولا شك عندى أن للنظام الحاكم السابق دوراً كبيراً فى تشكيل سلوك الغالبية العظمى من الشعب المصرى على مدار سنوات طويلة , وهو السلوك الذى تم بناؤه على أساس منطق القوة وأن من يمتلك أسبابها هو الذى يتحكم فى الأمور, وحيث أن القوة الآن بيد الشعب .. فليفعل ما يحلو له وان كان مخالفاً للقانون , بمنطق أن حماة القانون لطالما انتهكوه دون حسيبٍ أو رقيب , وقد جاء دورنا الآن .. بل إنها فرصة العمر لنفعل نفس الشىء , على الأقل فى ظل الظروف الحالية التى قد لا تتكرر , وحتى لا نسمح أو حتى نعطى الفرصة أو المبرر للشرطة ولو بمجرد التفكير فى العودة إلى سابق عهدها.

 

مع الأسف .. هذا هو المنطق الذى يحكم عقلية الكثيرين من أبناء شعبنا , وهو ما لا بد من مواجهته بكل السبل الممكنة من أجل إعادته إلى مساره الصحيح و وهو أمرٌ لا تصلح المجهوداتٌ الفردية على أهميتها - كما أفعل الآن من خلال مقالتى - لا تصلح وحدها لعلاجه , وإنما يتطلب الأمر جهداً جماعياً منظماً .. لا يستهدف المرحلة الحالية فحسب , بل يستهدف الخروج بحلٍ جذرى على المدى البعيد يعمل على تغيير وتعديل سلوك المواطنين من جهة , وأفراد الشرطة من جهةٍ أخرى كلٌ منهما تجاه الآخر.

 
وبناءً على ما سبق , فلا بد أن يكون لنا تصورٌ واضحٌ عن الأسس التى عليها سنُعيد بناء العلاقة ما بين أبناء الشعب الواحد الذى يتألف من مواطنين يتكون من بينهم مجموعة منهم تُسمّى جهاز الشرطة , وما هى خطوات البناء ؟ ومن المنوط به إنشاء هذا البناء ؟


أولاً : بالنسبة إلى أسس تعامل المواطنين والشرطة فيما بينهم , فيمكن تلخيصها فى الأتى:

1- أن يكون القانون هو المرجعية الأساسية التى يحتكم إليها كلا الطرفين - له أو عليه - تحت أى ظرف ودون مجاملة لأى من الطرفين على حساب الآخر.

2- أن يتم تأصيل معنى المواطنة بداخل عقول ووجدان كلا الطرفين , بحيث يؤمن الجميع بأننا أبناء وطنٍ واحد يجمعنا الحرصُ على مصلحته.

3- التعاون المشترك من أجل مصلحة الوطن التى تعنى تحقيق مصالح الجميع.

4- الاحترام المتبادل.

ثانياً : لتأصيل هذه الأسس فى نفوس المواطنين من الشعب والشرطة , فلا بد من اتباع منهجٍ علمىٍ بعيد المدى يعتمد فى تنفيذه على عدة محاور وهى : الاعلام - المجتمع المدنى - التعليم - وزارة الداخلية.

1- ولنبدأ بالدور الأكثر أهمية والأكبر تأثيراً كما ذكرت الدراسات المختلفة , ألا وهو دور الاعلام الذى ينقسم إلى قسمين : الأول على المدى القصير الذى يُعد الأكثر إلحاحاً فى المرحلة الراهنة ( على أن نعود إلى دوره الثانى على المدى البعيد فى النهاية ) ويتطلب الآتى :

  أ- توعية ( وتذكير ) المواطنين - باستمرار - بأهمية دور الشرطة فى حمايتهم وتوفير أحد الاحتياجات الأساسية لحياة الانسان , ألا وهو الشعور بالأمان.

   ب- إبراز الحملات الناجحة لرجال الشرطة فى القبض على الخارجين عن القانون ونجاحهم فى السيطرة الأمنية على بعض المناطق المعروفة بالاضطراب الأمنى ( وتصوير أو توثيق ذلك إن أمكن ) مما يُعيد للشرطة - بمرور الوقت - هيبتها المفقودة واحترامها لدى رجل الشارع.

  ج- عدم إبراز إخفاقات رجال الشرطة - وهو أمر وارد حتى فى الظروف الطبيعية - مع اعتبار ذلك إجراءً مؤقتاً يزول بزوال أسبابه.

  د- التركيز على الجوانب الايجابية والإنسانية ( الحقيقية ) لبعض النماذج من رجال الشرطة الشرفاء الذين يُمكن أن يكونوا سبباً فى كسب تعاطف الشعب المصرى ( العاطفى بطبعه ).

2- دور المجتمع المدنى يُمكن أن يكون كما يلى :


  أ- تكاتف الجميع من أجل الحفاظ على مكتسبات الثورة من الحرية وضمان عدم المساس بها وعدم العودة ولو خطوة واحدة إلى الوراء باتجاه الوضع السابق.  

ب- أن تقوم منظمات المجتمع المدنى بنشر الوعى بين المواطنين بتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم من خلال ندوات أو مؤتمرات أو برامج تُعد خصيصاً من أجل هذا الغرض ونشر التوعية بين جميع فئات المجتمع بالفرق بين الحرية والفوضى حتى يتم تأصيله كثقافة شعب بأكمله.

  ج- تفعيل دور الجمعيات الأهلية , وخاصةً جمعيات حقوق الإنسان مع ضمان استقلالية المجلس القومى لحقوق الإنسان بغرض الرقابة على مدى التزام أجهزة الشرطة - التى تمثل اليد القوية للسلطة التنفيذية - بالقيام بدورها فى حماية الوطن والمواطنين مع ضمان حسن المعاملة ورصد أية تجاوزات وإبلاغ الجهات الرقابية المختصة بها.

  د- تلقى الشكاوى المقدمة من قبل المواطنين - سواء من الشعب أو من رجال الشرطة - عن التجاوزات التى قد تكون أُرتكبت ضدهم من أى طرف ولم يستطيعوا فيها الحصول على حقوقهم , وبحث مدى أحقية المواطن وموضوعية شكواه , ومن ثم تحديد مدى أحقيته فى الحصول على المساعدة اللازمة لاستعادة حقوقه بالطرق المشروعة.

  ه- متابعة القضايا المتعلقة بأية انتهاكاتٍ أوانتقاصٍ لأى حقٍ من حقوق المواطن حتى يتم الفصل فيها , وإن لزم الأمر التصعيد الى الجهات الدولية المختصة.

3- أما بالنسبة إلى دور التعليم , فهو يشكل البذور التى تُزرع .. لتنبت الجذور التى لا تُنزع , وهذا الدور العظيم يُمكن إجماله فى عدة نقاط أساسية وهى :

  أ- زرع روح الإنتماء والتضحية من أجل الوطن فى نفوس التلاميذ منذ الصغر من خلال مناهج دراسية متطورة تراعى هذا البعد وتنميه داخل نفوسهم.

  ب- إبراز الأدوار البطولية الرائعة للقادة الوطنيين على مر التاريخ وجعلهم النموذج القدوة الذى يحلم الأطفال ببلوغ مثله عندما يكبرون

  ج- أن تتضمن المناهج التعليمية ما يُرسّخ احترام رجل الشرطة وتقدير وتوضيح دوره الذى لا غنى عنه فى حماية المواطنين والحفاظ على أمن الوطن واعتباره أحد أبطاله الذين لن نتردد لحظةً - إن احتاج الأمر - فى تقديم يد العون له لأداء مهمته على أكمل وجه , حيث أننا شركاء فى الوطن
  
4- ويأتى هنا دور وزارة الداخلية بكل أجهزتها على النحو التالى :

  أ- البداية تكون باعتراف وزارة الداخلية بالتجاوزات التى ارتكبها - قبل الثورة - بعض أفرادها فى حق الوطن والمواطنين والاعتذار عنها والتعهد بعدم تكرارها تحت أى ظرفٍ من الظروف , فهذا كفيلٌ بإزالة كل الحواجز بين الشرطة والمواطنين ويفتح الباب على مصراعيه أمام فتح صفحةٍ جديدةٍ ناصعة نسطًر فيها معاً مستقبل مصر المشرق الذى نريده

  ب- تفعيل وتعديل المناهج الدراسية بحيث تشمل :
     - تعريف طالب الشرطة - فى الكلية والأكاديمية - بحقوقه وواجباته تجاه الوطن والمواطنين.
     - تدريبهم علمياً وعملياً بشكلٍ وافٍ على كيفية التعامل مع الجمهور قبل تخرجهم.

  ج- تحسين أوضاع رجال الشرطة مهنياً ومالياً ومعيشياً , لتهيأة المناخ المناسب لإخراج أفضل ما لديهم من إمكانات ومهارات.

  د- وضع أسس ومعايير علمية وسلوكية لاختيار الأفراد الذين يتم تعيينهم فى الأجهزة  والهيئات التى تتعامل مع الجمهور.
 
  ه- وضع نظام تحفيزى لمكافأة المتميزين من رجال الشرطة فى أداء واجباتهم ومن ضمنها حسن التعامل مع الجمهور.

  و- وضع نظام صارم لا تهاون فيه تتم من خلاله محاسبة المقصرين والمتجاوزين.

 حيث لم يعُد هناك أى مبررٍ لارتكاب مخالفات الماضى.

وتحضرنى هنا قصةٌ رائعة قرأتها لأحد رجال الشرطة المتميزين فى الولايات المتحدة الأمريكية والتى أعتقد أننا - بديننا وأخلاقنا - الأولى بأن تحظى بلادنا بنماذج مشرقة مثلها , ففيها تجسيدٌ لمعنى الالتزام بأداء الواجب مهما كانت الظروف غير مواتية ومهما كانت الصعوبات التى تواجهنا أثناء أدائنا لتلك الواجبات كلٌ فى موقعه , بل وبذل المزيد من العطاء ونحن على يقين بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
وفى النهاية نعود مجدداً إلى دور الاعلام على المدى البعيد لنختم به بعد أن بدأنا به والذى لا بد أن يشتمل على :  استخدام أسلوب التأثير التراكمى للرسائل الاعلامية ( وهى إحدى النظريات الاعلامية التى سنقوم بالتعرض لها بالتفصيل لاحقاً بعون الله ).

 وذلك بوجوب إظهار صورة ضابط الشرطة فى صورة الرجل الشهم المتواضع المتعاون الحريص بكل كيانه على حماية الوطن والمواطن , بدلاً من صورته المتعجرفة المتسلطة التى أُشتهر بها إعلامياً على مدار تاريخه الحديث , ويتم عمل ذلك بتعمد بث هذا الشكل الجديد لرجل الشرطة بشكلٍ مدروس من خلال البرامج الجماهيرية والأفلام السينيمائية أوالوثائقية والمسلسلات الهادفة ذات التأثير التراكمى الكبير الذى يٌمكن أن نُحسن استخدامه من أجل هذا الغرض النبيل , مما سيرسّخ هذه الصورة الرائعة فى أذهان جميع المواطنين ( من الشعب و الشرطة ) على المدى البعيد.


أما عن كيفية جعل هذه الصورة واقعاً بعد قيامنا برسمها وهى تمثل جزءً فى غاية الأهمية من السلوك الذى يجب أن نتحلى به جميعاً فى المرحلة الحرجة الحالية التى نمر بها حتى نخرج من عنق الزجاجة , وكذلك فى المرحلة القادمة التى لن تكون كما نتمنى الا بالتزامنا وعطائنا , فلا بد من وجود خريطةٍ تفصيلية توضح الطريق إليها يتشارك فى وضعها كل الجهات التى الأربع دون تخلف أحدٍ منهم حتى  نضمن عدم عودة الشرطة إلى سابق عهدها المظلم ولكى لا نراها متهاونة متخاذلة كما رأيناها فى مباراة الزمالك والأفريقى التونسى مؤخراً , فنحن نريد أن نصنع معاً شرطة جديدة حقاً .. فالشعب يريد الشرطة المتوازنة.
                                                             والله ولىُّ التوفيق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه