الأحد، 29 مايو 2011

المبالغة الإعلامية .. فى تناول الأوضاع الأمنية

الـمـبـالـغـة الإعـلامـيـة
فى تناول الأوضاع الأمنية
قضايا إعلامية

على الرغم من كل ما أسمع وأقرأ عن حالة الإنفلات الأمنى الخاص بمواجهة أعمال البلطجة التى يُشاع أننا نعيشها فى كل مكانٍ فى مصرالآن , إلا أننى لا زلت أسمع وأقرأ فقط  دون أن أرى شيئاً من ذلك والحمد لله , فأنا لا زلت أعيش بنفس الطريقة التى كانت قبل الثورة , ولا زلت أسافر - طبعاً بفضل الله - آمناً على الطريق الصحراوى ذهاباً وإياباً دون أن يتعرض لى أحدٌ من قطاع الطرق الذين يخيفنا الإعلام - المُضلل فى كثيرٍ من الأحيان - من وجودهم منذ اندلاع الثورة.




إننى لا أنكر وجود الكثير من الجرائم  التى تُرتكب على أرض مصر - كما فى كل دول العالم - كالقتل والخطف والاغتصاب والسرقة بالاكراه وغيرها, ولكن :

هل هذه الجرائم تمثل أمراً لم يكن موجوداً قبل الثورة فى مصر كبقية دول العالم ؟

وهل صحيحٌ أن تلك الجرائم ازدادت بعد الثورة ؟

أم أن هناك مبالغة إعلامية فى إبرازها ؟

وإن كانت ثمة مبالغة , فهل هى مقصودة ؟

وإن كانت مقصودة , فمن يقف وراءها ؟

وما هو الهدف من ذلك ؟ 

إذاً فلنحاول معاً استعراض الأمر وتحليله بموضوعية حتى نصل إلى الحقيقة ..

ربما كانت جرائم قتل النساء لأزواجهن موجودة , أو تظهر من حينٍ لآخر باعتبارها إحدى الجرائم التى تُرتكب فى أى مجتمع , ولكننا لم نكن نسمع عن تحولها إلى ظاهرة إلا فى عهد الرئيس السابق حسنى مبارك.

ربما كانت هناك حالاتٌ فردية - فى زمانٍ أو مكانٍ ما - قتل فيها الإبن أباه أو أمه , ولكنى لم أسمع بحدوثها على أرض مصر إلا فى عهد مبارك , بل وفى عهده وحده رأينا الأب يقتل أولاده والأم تقتل فلذات أكبادها.

حتى أن عهده قد انفرد بأكبر عددٍ من أحداث الفتنة الطائفية فى مصر على مر تاريخها الطويل , بل ويفوقها مجتمعة منذ الفتح الإسلامى لمصر.

وربما كانت أعمال البلطجة موجودة منذ زمن , أوتظهر على سطح الأحداث بين فترة وأخرى , على إعتبار أنها أعمالٌ يقوم بها الخارجون على القانون فى كل زمانٍ ومكان , ولكنها أبداً لم تتحول إلى نظامٍ مُمنهج ومنهجٍ مُنظم , بل وأكاد أقول إلى ظاهرة شعبية فى الكثير من الأحياء الشعبية , إلا فى عهد الرئيس السابق حسنى مبارك.

ففى عهده أصبحنا نرى كيف يستعين العديد من رجال الأعمال بالبلطجية وأرباب السوابق واتخاذهم كحرسٍ خاصٍ بهم حتى أصبح وكأنه أمرٌ طبيعي عند الكثير من أصحاب الأعمال أن يستخدم هؤلاء فى أية خلافات أو مشاجرات مع أى طرفٍ آخر , وهو ما كانت تُطالعنا بأحداثها الصحف من حينٍ لآخر.

بل إنه فى عهده أيضاً .. تحول الأمر إلى إعتبار البلطجة إحدى أهم الوسائل التى يستخدمها حزبه الوطنى المنحل بشكلٍ تلقائى فى مواجهة خصومه السياسيين ومعارضيه  ,  خاصةً فى انتخابات المجالس النيابية والمحلية.

ولم يكتفى الرئيس المخلوع بذلك , بل إنه - حاسبه الله - قد حوّل أجهزة الشرطة إلى البلطجى الكبير الذى يُرهب به شعبه مُهتماً بأمنه السياسى والحفاظ على كرسيه بكل ما أُوتى من وسائل وأساليب , مشروعة وغير مشروعة , وبالطبع أهمل أمن المواطن المتمثل فى الأمن الجنائى.

وفى ظل حالة الإنسحاب الأمنى المُتعمّد التى حدثت أثناء الثورة , وبعد انتصار ثورتنا المباركة على هذه البلطجة الأمنية والسياسية , كان من الطبيعى أن تسود حالة من الفوضى الأمنية  مع حدوث بعضٍ من الأحداث الخرقاء - الفردية من وجهة نظرى - والتى تم التعامل معها على أنها ظواهر تفشت بعد الثورة , وتم تحميلها بأبعادٍ أكبر مما تحتمل وذلك كله من خلال المبالغة الإعلامية فى تناولها.

فنجد الإعلام على سبيل المثال يحوّل فعلاً أخرق لفردٍ ملتحٍ قام - بمفرده - بقطع أذُن مواطنٍ مسيحى , حيث أبرز الحدث فى كل وسائله , وصدّره فى صفحاته الأولى وصوّره كاعتداء مسلمٍ سلفى على مسيحى بما أدى إلى هجومٍ عنيف على السلفيين دون التأكد حتى من كون ذلك المعتدى الآثم ينتمى إليهم بالفعل , أم إلى إحدى التيارات الدينية الأخرى المتشددة , أو البحث عن كونه لا ينتمى إلى أية جماعةٍ أصلاً , أو أنه مجرد بلطجى أطلق لحيته , وهو ما أعتقد أن الموضوعية تقتضيه عند تناول أى موضوع بصفةٍ عامة.

وبنفس المنطق وبذات المنهج غير الموضوعى .. تناول الإعلام معظم الأحداث , فالكثير من وسائل الإعلام - خاصةً بعد الثورة - أصابتها حمى السعى إلى تحقيق السبق الإعلامى بنقل الخبر كأولوية أولى دون الأخذ فى الإعتبار الإلمام بكل جوانبه من مسببات وملابسات والبحث الدقيق عن الفاعل الحقيقى.

وبناءً على كل ما سبق ذكره , فالبلطجة ليست بظاهرةٍ جديدةٍ فى المجتمع المصرى , والبلطجية ليسوا نتاج الثورة التى قامت من أجل القضاء علي ظاهرة  وجودهم فى حياتنا اليومية واستخدامهم فى حياتنا السياسية.

إننى هنا لا أحاول أن أتهم أحدٍ بعينه , وإنما أنتقد الأسلوب الذى قد ينتهجه بعض المسؤولين عن الإعلام فى مصر ( الخاص منها على وجه التحديد ) ..

هذا .. ومن المعروف أن أية شركة أو مؤسسة - بما فيها المؤسسات الإعلامية - لا بد وأن يكون لها أهدافها سواء أكانت هذه الأهداف مُعلنة أو غير معلنة , والتى يمكن أن تكون :

1- تحقيق الربح المادى الذى يكفل فى حده الأدنى استمرار المؤسسة فى العمل وضمان عدم توقفها , وهو ما قد يدعو بعض المؤسسات للأخذ بكل الوسائل المتاحة , وإن كانت غير مشروعة فى بعض الأحيان , وهو ما قد تلجأ إليه بعض المؤسسات الإعلامية كافتعال أخبارٍ ليس لها أساس من الصحة , أو تسليط الأضواء عليها بشكلٍ مبالغٍ فيه لاجتذاب المزيد من المتابعين لجلب المزيد من الإعلانات التجارية مثلاً , والتى تُدرُّ بالطبع المزيد من الدخل الذى يصب فى النهاية فى مصلحة أصحاب الممؤسسة بالدرجة الأولى - وبالتبعية - العاملين فيها.

2- تحقيق الانتشار بجذب مزيد من العملاء - أو المتابعين - وإن تطلب الأمر عند البعض التضحية بالمصداقية فى سبيل تحقيقه ولو على المدى القصير.

3- التأثير فى أكبر عدد من المتابعين بغية تحقيق الأجندة الخاصة بالمؤسسة والتى تخدم أهدافها أو أهداف الجهات الممولة لها.

وتحقيق الربح وتحقيق الانتشار والتوسع والتأثير كلها أهدافٌ مشروعة للجميع , وإنما المطلوب هو الحذر من إستخدام وسائل غير مشروعة لتحقيقها. 

إننى أرى أنه يجب علينا عند تناول الحديث إعلامياً عن أية حادثة أو جريمة تقع , أن يكون تناولنا موضوعياً دون أية مبالغة من خلال تسليط الضوء على تلك الجرائم بشكلٍ كثيفٍ للغاية , و التحدث عنها وكأنها جديدة تماماً على المجتمع المصرى ولم يسبق حدوثها فيه كما سمعتُ بنفسى من بعض الإعلاميين أو ممن يستضيفونهم فى برامجهم التليفزيونية.

حيث أن هذا الأسلوب فى تناول الأوضاع الأمنية من شأنه أن يثير البلبلة والشعور بعدم الاستقرار وعدم الأمان بين أبناء الشعب , مما سيكون له أسوأ الآثار على المديين القريب والبعيد , وهو ما يُعد من آفات الإعلام المصرى التى ورثها من النظام السابق رغم يقينى بأنه فى طريقه إلى التعافى.

فأما أثره على المدى القريب فيمكن أن يظهر فى :

1-  إيجاد حالة من الذعر لدى المواطن تجعله لا يُقدم على عمله كما ينبغى أو مباشرة حياته بصورةٍ طبيعية , بل وقد يتحول الأمر لدى البعض إلى خوفٍ مرضى.

2- إشعار البلطجية بأن هناك حالة من الإنفلات الأمنى المناسب لممارسة أعمال البلطجة دون وجود حسيبٍ أو رقيب مما يكون لهم دافعاً للمزيد من الخروج على القانون. 

3- إشاعة مثل هذه الحالة والمبالغة فى إبرازها من شأنه أن ينقل صورة غير واقعية مشجعة وداعية - بكل أسف - لكل من يريد العبث بأمن مصر واستقرارها من الخارج على اعتبار أن الفرصة مواتية للتدخل بشكلٍ أو بآخر.

4- المساهمة فى تخويف وتنفير السائح الأجنبى والعربى من الإقدام على زيارة مصر , مما يضر بصناعة السياحة التى تشكل أحد أهم عناصر الإقتصاد المصرى.

أما على المدى البعيد فيمكن أن تكون آثار ذلك كلآتى :

1- نقل صورة غير واقعية عن تدهور درجة الأمان فى الشارع المصرى يصعب تغييرها فى أذهان المستثمرين الجادين بما يؤدى إلى ندرة أو إنقطاع تدفق رؤوس الأموال إلى مصر.

2- عدم توفير المناخ الملائم لعودة أبناء مصر المخلصين فى الخارج والذين يرغبون بصدقٍ فى أن يكون لهم دورٌ فاعلٌ فى نهضة مصر القادمة بفضل الله.

وعلاج ذلك لا يمكن أن يكون بالتدخل فى عمل مؤسسات الإعلام , فقد ولى زمان ذلك , وإنما يكون : بأن يتق الله فى عمله كل مسؤولٍ فى موقعه , وأن يلتزم الجميع بميثاق شرف العمل الإعلامى , والحياد والموضوعية فى نقل الخبر , وتجنب محاولة إثارة الناس بما لا يخدم مصلحة الوطن , وكل ذلك يجب بلورته فى إطار ميثاق شرف إعلامى يلتزم به الجميع , ويُحاسب كل من يخرج من إطاره.        

والأهم من كل ما سبق هو تكاتفنا بكل الصور وتحملنا المسؤولية المشتركة , لحين تعافى الشرطة التى أثق أنها ستتماثل للشفاء قريباً بعون الله وفضله , وبأننا سنصل بها إلى أن تكون الشرطة المتوازنة.

أسأل الله أن يُجَنِّبَ مصر الفتن , ما ظهر منها وما بطن , وسائر بلاد المسلمين.

هناك تعليق واحد:

  1. يارب فعلا الناس تتقى ربنا فى عملها و تعمل لصالح هذا الوطن و كل واحد يبطل يعمل و يفكر فى مصلحته بس

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه