الأحد، 19 يونيو 2011

من أجل الوطن

من أجل الوطن

د. عمرو حمزاوى
د.عمرو حمزاوى


قرأت أثناء مرورى على إحدى المدونات المتميزة مقالاً بعنوان الابتزاز أولاً والدستور ثانياً أحترم رأى صاحبه ولكنى أختلف معه , فهو يتكلم عن ضرورة أن يتم إنشاء دستور جديد للبلاد قبل الخوض فى أية إنتخابات برلمانية أو رئاسية فى مصر , وهو ما كنت أؤيده تماماً قبل الاستفتاء , ولكنى - مثل الكثيرين - رضيت بالأمر الواقع , وهو ما أعتقد أنه دفع شخصاً كالدكتور عمرو حمزاوى , على سبيل المثال , لاتخاذ نفس القرار , ليس
عن ضعفٍ أو خوفٍ من أحد , فهو أمرٌ لم يعد له وجودٌ عند كل المصريين بعد الثورة , وإنما عن اقتناعٍ بأهمية تغليب مصلحة الوطن على مصالحنا الخاصة وقناعاتنا الشخصية , وهو ما أعتقد أنه يجب أن يكون منهجاً يتخذه كل حريصٍ على مصلحة هذا الوطن دون أى اتهامٍ لأحد يخالفنى الرأى.

وقد قمت بالتعليق على المقال , وأردت نشر ردّى عليه فى مدونتى التسويق والاعلام حتى تعم الفائدة ( مع إدخال بعض التعديلات ) , حيث قلت معلقاً : كلانا وكل المصريين الشرفاء مجتمعون على هدفٍ واحدٍ , وهو حب الخير لمصر والحرص على بناء مستقبلٍ مشرقٍ لها ولنا ولأولادنا فى ظلها إلى ما شاء الله.

وأود فى البداية أن أبرز الكثير من نقاط اتفاقنا والجوانب التى نشترك معاً فيها باعتبارها من ثوابت الثورة وهى:

1- إننا نؤمنُ تماماً بأن الصحيح كان هو إعداد دستورٍ جديد للبلاد بعدما أسقطت ثورتنا المباركة الدستور القائم.

2- أعتقد أنه لا يوجد فى مصر ( باستثناء النظام السابق وأعوانه ) من يمكنه أو يقبل التفريط فى دماء الشهداء.

3- محاكمة كل رموز الفساد بدءا من المفسد المخلوع ومرورا بالوزراء حتي النخبة الفاسدة هو أمرٌ واجبٌ شرعاً وقانوناً وأخلاقاً , ولا يمكن التهاون بشأنه أو الالتفاف حوله بأية صورة.

4- نحن نرحب بكل من أخليت ساحته من كافة التهم , فهذا هو العدل الذى يجب أن تُبنى على أساسه مصرنا الجديدة.

5- الثورة ليست مدينة لأحد , وإنما كلنا ندين لها بالكثير , ومن حقها علينا أن نعمل على اكتمالها وتحقيق أهدافها بنجاح.


ولكن إسمح لى أخى بأن أختلف معك فى نقطةٍ واحدة فقط ( بعد اتفاقنا على أن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية ) وهى نفس مسألة الدستور التى وافقتك عليها فى البداية وذلك من بعض الجوانب :

1- أن هناك الكثيرون ممن يطالبون الآن بأن يكون الدستور أولاً ( سواء ممن صوتوا بنعم أو لا ) هم من الذين نزلوا الاستفتاء بكامل إرادتهم ودون ضغطٍ من أحدٍ أو أية جهة على الاطلاق , فى حين أنه كان باستطاعتهم الرفض التام للاستفتاء قبل إجرائه أصلاً والاصرار على موقفهم من بداية الأمر بوسائل الضغط المختلفة , ولو كان ذلك بالاعتصام أو حتى بالتظاهر فى ميدان التحرير مثلاً , حتى تتم الاستجابة لمطالبهم كما تم فى عدة مواقف.

2- ليس كل المطالبين بالدستور أولاً .. أصفياء أو أنقياء مثلك , أو ذوى نوايا طيبة وخاصة فيما يخص التخوف من اكتساح تيارٍ معين لأى انتخاباتٍ تجرى على نحوٍ متسرع , فالبعض منهم - إن لم يكن أغلبهم - يخشى حدوث ذلك بالفعل , بل ويعتقدون أنهم بتنفيذ مطالبهم يستطيعون الحصول على فرصة متكافئة مع ذلك التيار , وهو أمرٌ غير واقعى تماماً فى المرحلة الحالية , وربما تطلب الأمر منهم أكثر من عامٍ حتى يصلوا إلى الدرجة التى تمكنهم من منافستهم على الساحة السياسية.

3- أعتقد أننا نتفق فى أنه ليس ذنب تلك التيارات كونها ذات تاريخ طويل وخبرات فى العمل السياسى وأن غيرها يفتقد إلى ذلك , كما أنه ليس ذنب القوى الوليدة قلة أو انعدام الخبرة , فهذه معطيات الفترة الحالية.

4- هناك جملة ذكرتها فى سياق مقالك بشكلٍ تلقائي , ربما لا يفطن لها الكثيرون وهى قولك كلمة " كانت " ضمن جملة ( فالضرورة الثورية كانت تقتضى وضع دستور بديل للدستور الذى قامت من أجل إسقاطه الثورة ) وهو أمرٌ اتفقنا ونتفق عليه , إلا أن مما يغيب عن الكثيرين أن هناك أولويات للوطن  فى الوقت الراهن تفرضه علينا الأحداث والأوضاع الحالية قد تكون أهم من عمل دستورٍ جديد , فلكل مرحلة أولوياتها , وعلى رأس هذه الأولويات فى المرحلة الحالية يأتى الاستقرار بكل ما تعنيه الكلمة , وذلك من عدة نواحى كما يلى :

أ- الأمنية وتنقسم إلى :

 - داخلياً .. حيث يجب القضاء على الاضرابات والاعتصامات التى تضر بمصلحة العمل أو تتعدى على حريات الآخرين ,  فبالتأكيد هى غير قانونية وتعمل على الاضرار بمصلحة الوطن , وخاصةً بعد إندساس كثير من البلطجية وأرباب السوابق لارتكاب مخالفاتهم باسم الحرية.

[ كتبت من قبل عن القضية الأمنية بشىءٍ من التفصيل فى مقالاتٍ سابقة وهى :
الشرطة الجديدة , الثورة لا تعنى الفوضى , كيف نصنع الشرطة المتوازنة ]

- وخارجياً .. حيث أن أجواء عدم الاستقرار تغرى أعداء الوطن بالتسلل إليه فى محاولة تحقيق أجنداتهم الخاصة أو إشاعة المزيد من حالة عدم الاستقرار لنظل فى حلقة مفرغة , وهو ما تم مؤخراً بالفعل من ضبطٍ لبعض من يحاولون القيام منهم بذلك كإيران وإسرائيل.[ الجاسوسية ]

ب- الإقتصادية : التى لن تقوم إلا بعملنا الجماعى فى أسرع وقتٍ ممكن لوقف الانهيار أولاً , ثم لبناء النهضة المأمولة ثانياً.

5- أنها مسألة خلافية بين طوائف الشعب المختلفة , وهنا تظهر - مرةً أخرى - أولوية مصلحة الوطن من خلال  حسم الخلاف الذى وصل إلى حد الجدل , ومن المعروف أنه إذا وصل النقاش إلى مرحلة الجدل , فهذا يعنى أنه لن ينتهى ولن يتم حسمه حيث أن الحوار قد انتهى , ولا بد لحسم الأمر من قرارٍ ملزمٍ للجميع تتخذه الإدارة الحاكمة حالياً وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة للإسراع بالخروج بالبلاد مما قد يعصف بها من أخطار قد تغيب عن الكثيرين - خاصةً الشباب المتحمس أو عديمى الخبرة - وهو أمرٌ  يحدث  فى أكثر البلدان ديمقراطية , حيث أنها طبيعة البشر التى تأبى إلا الاختلاف , وكثيراً ما يلجأ الحاكم أو المسؤول إلى قراراتٍ دكتاتورية حتى فى ظل الديمقراطية.

6- أن عمر الثورة منذ بدايتها حتى الآن لم يتجاوز الخمسة أشهر , فى حين أنه من المعروف - على مر التاريخ - أن الفترة التى تحتاجها الثورات حتى تستقر تماماً وتحقق جميع أهدافها يستغرق حوالى ثلاث عشرة سنة فى المتوسط  , وهى مدة قصيرة جداً فى أعمار الأمم , فليس من الضرورى أن أن نعمل ونجنى الثمار فى ذات الوقت , ولا يصح قياس الأمر بأعمارنا نحن , مما يعنى أننا لا زلنا نحبو فى أول الطريق , كما لا يزال أمامنا الكثير من الوقت - بدون تعجل - لنفعل كل ما نريد.

7- حتى وإن تحققت بعض مخاوف الداعين إلى الدستور الجديد عما يمكن حدوثه فى بداية التحول الديمقراطى من اكتساح تيارٍ معين أوسيطرته على المجالس النيابية فى أول انتخابات بعد الثورة , فلم يعد أحدٌ مهما كانت خبراته أو نفوذه أن يفرض على الشعب ما لا يرضاه , وإن حاول فلن يفلح وسلفظه الشعب , وربما بلا رجعة , ومن خلال الانتخابات الديمقراطية أيضاً.
وفى النهاية أتساءل .. أليسوا هم الذين كانوا يهاجمون كل من يدعى أن الشعب المصرى غير جاهز للديمقراطية وأنه لا يملك الوعى الكافى ليحسن اختيار من يمثله ؟

إذاً فلم يحاولون الحجر على رأيه واختياره ؟


وكلها أمورٌ لا بد من أخذها بعين الاعتبار وبمنتهى الجدية والتفكير المتوازن قبل الاقدام على أية خطوة تخص الوطن.

أخى .. قد يقنعك كلامى وقد لا يعجبك , ولا أدرى إن كنت ستنشره أم لا , ولكنى أرجو أن تفكر فيه فى جميع الأحوال , وفى حال اقتناعك .. أرجو أن تنشره .. من أجل الخير لمصر وأبنائها.

أشكرك لسعة صدرك متمنياً أن يهدينا ربنا إلى ما فيه الخير لمصرنا ولنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه