الأحد، 24 يوليو 2011

التغيير .. بين ثورة الشباب وجمود الشياب

 التـغـيـيـر ..
 بين ثورة الشباب و جمود الشياب

كان هناك ثلاثة أشقاءٍ يتقاسمون العيش فى قصرٍ قديمٍ ورثوه عن أبيهم , ويعيش مع كل واحدٍ منهم زوجته وأولاده , وكان أخوهم الأكبرهو الذى يعلم كل شىءٍ عن القصر والضيعات الملحقة به وإيراداتها وطبيعة مصروفاته , فقد عهد إليه أبوه قبل وفاته أن يتولى هو شئون القصر ليس لأى اعتبارٍ سوى أنه أكبرهم سناً , دونما اعتبارٍ لكونه أقل إخوته كفاءة , فكان من الطبيعى أن يكون هو المتحكم الوحيد فى المصروف الشهرى الذى يعطيه لأخويه , اللذان لم يكن لهما أى دورٍ فى القصر إلا المأكل والمشرب , لدرجة أنهما لم يكونا يناقشانه فى أى أمرٍ من أمور القصر , تاركين له تسيير شئونه - وشئونهم - كيفما تراءى له.


وقد كانت إدارة الأخ الأكبر للقصر تقليدية , بل عقيمة , فلم يكن يسعى إلى تنويع موارده أو زيادة إيراداته , ونظراً لقدم القصر وعدم تجديده بأية صورةٍ منذ بنائه , فإنه قد فقد رونقه وغطت الأتربة كل أركانه وتهالكت بعض أجزائه , حتى صارت بعض تلك الأجزاء غير صالحةٍ للسكن فيها على الإطلاق دون محاولة لإصلاحها , وقلت الإيرادات فتناقص المصروف , واستمر هذا الوضع فترة من الزمن غير قصيرة , فأصبح الحال يسير من سىءٍ إلى أسوأ.

بدأ الأخوان الأوسط والأصغر يشعران بالضيق الشديد من الوضع المزرى للقصر وما صار إليه حاله بعدما كان أبهى القصور فى المنطقة التى يوجد بها , فحاولا اقناع شقيقهما بضرورة التغيير من أجل المحافظة على الحد الأدنى من العيش الكريم لهما ولأسرتيهما , فقد أصبح الدخل لا يكفي لتلبية حتى بعض احتياجاتهم الأساسية , ولكن أخاهما كان مصراً على رأيه بأن الأوضاع جيدة وبأنه ليس هناك ما يدعوهما إلى القلق.


أخيراً اكتشف الأخوان سر حرص أخوهما الأكبر على استمرار الوضع على ما هو عليه , فلقد كان يختلس جزءاً كبيراً من إيرادات القصر لحساب نفسه وبما يخدم مصالح أولاده من بعده.

أثّر الأمر كثيراً فى نفسية الأخ الأوسط واستنكره للغاية , ولكنه كان يخشى مواجهة أخيه بما علمه عنه حفاظاً على صلة الرحم بينهما وإيثاراً للسلامة , فآثر الصمت وقال : ( اللى نعرفه .. أحسن من اللى ما نعرفوش ). 

أما الأخ الأصغر - الأكثر شباباً والأكثر حماساً - فقد ثارت ثائرته ولم يستطع الصبر , فذهب إلى أخيه مطالباً بأن يفصح له عن حسابات القصر وأن يشركه وأخيه الأوسط في كل ما يتعلق بإدارة شئون القصر ولا يستأثر بالعلم بها وحده , ليستطيعوا معاً ان يضعوا حلاً جذرياً لتلك الأوضاع , وكذلك من أجل إعادة القصر إلى سابق عهده , بل وأفضل مما كان.

سمع الأخ الأكبر كلام أخيه باستخفافٍ شديدٍ ولم يعره أى انتباه , مما كان سبباً رئيساً فى اتخاذ الأخ الأصغر إجراءً غيرعادى وغير تقليدى لم يكن الأخ الأكبر يتوقع أو يتخيل حدوثه , فقد قرر الاعتصام فى القصر حتى يستمع إليه أخوه ويستجيب لمطالبه المشروعة فى إعطائه حقه المسلوب.

كان أولاد الأخ الأصغر يشكلون أغلبية سكان القصر , لذا فإنه لمّا استمر تجاهل طلباته , قام بتصعيد احتجاجه بجمع أولاده ومحاصرة غرف القصر التى يقيم فيها أبناء أخيه الأكبر.

وعندها فقط .. بدأ الأخ الأكبر يشعر بأن الأمر مختلفٌ هذه المرة وبأن هذا التصعيد غير مسبوقٍ وبأن التجاهل لن يجدى , ولا بد من الإنصات الجيد لأخيه لفهم متطلباته جيداً للتعامل معه , فذهب إلى أخيه الأوسط ليقنعه بالتدخل لصالحه , فقد كان يعلم عنه كونه عاطفىٌ جداً و إيثاره لتوفيق الأوضاع و الحلول الوسط.

وكانت المفاجأة هذه المرة .. لم يقتنع الأخ الأوسط بكلام أخيه , ولم يكتف بذلك , فقرر الانضمام إلى شقيقهما الأصغر , وأخبراه بأنهما سيظلان فى حالة ثورة حتى تتم الاستجابة لكل مطالبهما الاصلاحية , وبأنهما لن يدعاه يهنأ وأولاده بالعيش في القصر مرةً أخرى , إلا بعد أن يتطهروا أولاً من أفعالهم فى حقهم.

وتحت إلحاحٍ وضغطٍ شديدين , لم يستطع الأخ الأكبر الاستمرار فى مواجهة أخويه , فقرر - مُرغماً - أن يترك لهما مسئولية إدارة شؤون القصر.

وعلى الرغم من أن القصة قد تبدو أنها انتهت , إلا أنها للتو قد بدأت ..

لقد بدأ صراعٌ جديد بين الأخوة الثلاثة ..

فالأخ الأكبر - وإن كان ظاهر الأمر أنه قد تنحى - لا يزال طامعاً فى العودة , أو تثبيت الوضع الحالى , أو على الأقل إبقاءه لأطول فترة زمنية ممكنة , فهو المستفيد الأول - والوحيد - من ذلك , فليست الأولوية عنده منع تهدّم القصر , وإنما أولويته هى عودته أو ضمان عدم محاسبته. 

والأخ الأوسط يريد الإبقاء على القصر بحالةٍ جيدة , وفى تصوره أن أفضل وأسهل الطرق لتحقيق ذلك .. هو ترميم وترقيع الأجزاء التالفة منه فقط , فالأولوية عنده هى الاستقرار السريع.

أما الأخ الأصغر - الذى كان السبب فى فتح باب التغيير - فقد كان له رأىٌ آخر ..
إنه يرى صورةً بعيدةً جميلةً للقصر الذى تربى فيه أفضل من أى وقتٍ مر عليه منذ بنائه .. إنه يرى قصره وقصر أبيه .. أم قصور الدنيا.

لذا فهو يرى أن أفضل طريقة للوصول إلى ذلك هى أن يتم هدم القصر القديم بالكامل أولاً , ثم إعادة بنائه من جديدٍ على أسسٍ جديدةٍ متينة تجعله يظهر فى أبهى صورة.


أعتقد أنه لا يوجد بداخل أحدٍ منّا أى تعاطفٍ مع الأخ المُسىء أو موقفه , ولكننا يمكن أن نختلف أو نتناقش حول تصور الأخوين الآخرين عن الأسلوب المثالى الذى يمكن من خلاله التعامل مع قضية إعادة القصر إلى وضعه الحقيقى.

إننا نبحث هنا عن التغيير المتوازن الذى يحقق الهدف المنشود الذى قامت الثورة من أجله .. فى أسرع وقت .. بأقل خسائر ممكنة فى الوقت الحالى .. لنحقق بذلك أكبر مكاسب ممكنة فى المستقبل القادم.

فيا تُرى .. ما الذى ينطبق من علم التغيير على حالنا ؟ 

وما هو القدر الذى يجب - أو يمكن - أن نسترشد به من علم التغيير فى إدارة هذه المرحلة الخطيرة .. مرحلة التغيير ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه