الاثنين، 1 أغسطس 2011

كلٌ ميسرٌ لما خُلق له .. فما الذى يسّرك الله له ؟

كلٌ ميسرٌ لما خُلق له ..
فما الذى يسّرك الله له ؟

كاتبته كانت فى الرابعة عشر من عمرها وقت كتابته - وهو مما يثير الإعجاب مع الدعوة إلى الإلتفات إلى مواهبنا الكثيرة المغمورة فى بلادنا - فقد وجدتها تتحدث فى مقالها عن موضوعٍ مهمٍ متجددٍ لا يجب - من وجهة نظرى - أن ينتهى الحديث عنه .. واستوقفنى المقال أمامه متأملاُ متفكراً فى عمق ما جاء فيه عندما وجدت فيه إعمالاً للعقل وجهداً رائعاً واجتهاداً فى إبراز ما خفى على الكثيرين منّا عن حقيقة عدل الله بين البشر فى توزيعه الأرزاق بأنواعها التى لا حصر لها , ومنها المواهب , وهو ما لا شك عندى فيه ولا جدال على الإطلاق فى أن الله هو العدل المطلق.




فهل تفكر فيما حرمك الله منه .. فى ذات الوقت الذى أعطاه لغيرك ؟


هل فكرت فيما أعطاك الله وحرم غيرك منه ؟

وهل أحسنت استخدام ما أعطاك ؟

 كيف تفكر فى عدل الله ؟

 وكيف تحيا وتتصرف داخل إطار هذا العدل ؟

هل أنت ممن يؤمنون بعدل الله إعتقاداً .. وفعلاً ؟ 

كان عنوان المقال هو الحديث النبوى الشريف الذى قال فيه الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) " كلٌ ميسرٌ لما خُلق له " , وكان مما أعجبنى ضمن مقالها .. قولها : " فالكل من حيث ما خُلق لأجله سواسيه , ولكنهم مختلفون " , وهو ما دعانى إلى إعادة التأمل فى أمرٍ كنت أعتقد أنى أفهمه جيداً , لأستنتج معانى , لا أقول أنها جديدة , وإنما لم أكن متعمقاً فى فهمها.

فعدل الله المطلق يقتضى أن يكون الناس سواسيةً أمام الله فى نصيب كل واحدٍ منهم فى الرزق أو الموهبة التى أعطاها إياه , ليُسخًر كل واحدٍ منهم رزقه أو موهبته فى الإتجاه أوالعمل أوالتخصص الذى يريد , أى الطريق الذى سيسلكه , وما على العاقل إلا إعمال عقله من أجل معرفة ذلك واستيعابه ثم العمل به , فإن استطعت ذلك , فاعلم أنك قد نجحت فى التوصل إلى دورك الذى خلقك الله  لتؤديه ويسّرك من أجل تحقيقه فى هذه الحياة . 

وهو من باب قوله تعالى : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدنيا , ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات .. ليتّخذ بعضهم بعضاً سُخْريّا ) آية 32- سورة الزخرف , وقد قال إمام الدعاة شيخنا الشعراوى ( رحمه الله ) فى تفسير هذه الآية ما معناه : ( هل تستطيع أن تستنبط من الآية أىُ البعضٍ مرفوعٌ وأيهم مرفوعٌ عليه , إنك لن تستطيع .. لأن كل الناس مرفوعٌ , وكلهم أيضاً مرفوعٌ عليه ).

إنما الأمر يحتاج إلى أن تنظر أنت فى نفسك و تتأمل فى حياتك و تتفكر فى إمكاناتك .. ما الذى يميزك عمن حولك , وعندما تتعرف إليه .. فاعلم أن هذا هو ما أنت مرفوعٌ فيه على الآخرين.

ولكن لا تتوقف عند ذلك الحد أو تكتفى به , فإنما عليك أيضاً أن تبحث فى مزايا الآخرين وما هو الذى رفعهم الله به عليك حتى لا يأتى عليك يومٌ تحتقر فيه أى إنسان , ومهما اعتقدت أنه لا توجد ميزةٌ ما فى شخصٍ ما .. فاعلم أنك قد تعجّلت ..

عد مرةً أخرى لتفتش عن ذلك الشىء الذى رفع الله به ذلك الشخص عليك , وحتماً ستعثر عليه , فليس هناك من هو أعدل من الله.

وقد كان شيخنا الشعراوى " رحمه الله " يضرب لنا مثلاً بأحد كبار المسؤولين الذى يسكن فى قصرٍ فاخر , إلا أنه ذات يومٍ حدث أن طفحت مياه الصرف الصحى داخل قصره ولم يستطع التعامل مع الأمر , فما كان منه إلا أن لجأ إلى أحد عمال تنظيف مجارى الصرف الصحى والذى اعتذر بدوره لانشغاله بالعمل فى مكانٍ آخر , وهنا أخذ ذلك المسؤول فى الالحاح واستعجال حضور العامل فى أقرب وقتٍ ممكن مقابل أى شىء , حيث أنه لا يستطيع الاستمرار على هذا الوضع لفترةٍ أطول , وهنا يكون عامل الصرف الصحى مرفوعٌ على المسؤول الكبير ..

وهكذا هى الدنيا .. كلٌ ميسرٌ لما خُلق له.


وقديماً قال بعض السلف " قيمة كلِ إمرىءٍ ما يُحسن " , ولن يستطيع إنسانٌ مهما كانت قدراته أن يفعل كل شىء , فكلٌ منّا قد خلقه الله لشىءٍ ما , فلم يخلق الله شيئاً عبثاً أو لهواً , وبالتالى .. فليس هناك من إنسانٍ - أو مخلوقٍ - بلا فائدة , وإنما " كلٌ ميسرٌ لما خُلق له ".

فانظر فى نفسك .. فى طبيعتك ومدى طموحها , ثم حدد ما تحبه من أعمال , واختر مجال العمل الذى ترغب التخصص فيه , وبعدها حدد إمكاناتك الحالية من خلال بعض الأسئلة التى يمكن أن توجهها إلى نفسك , على أن تستوفى الإجابة عن كل الأسئلة :

1- ما الذى أملكه من علمٍ يتعلق بالتخصص الذى اخترت العمل فيه ؟

2- ماذا لدى من معلوماتٍ عنه وما مدى إلمامى ببيئة العمل المحيطة به ( القوانين - ثقافة المجتمع - المنافسون ( إن وجدوا) - ........) ؟

3- ما هى درجة معرفتى بثقافات الآخرين ممن سيكون عملى معهم ؟ وهل أملك القدر الكافى من المرونة لأتكيف - أو على الأقل أتعايش - معهم على اختلافاتهم ؟

4- ما هى إمكاناتى المادية المتوفرة ؟ وهل هى كافية للبدء ؟ وإن لم تكن كافية .. فما هى المصادر الأخرى التى يمكن أن ألجأ إليها لسد الفجوة ؟ وإن لم أُوفق فى تعزيز إمكاناتى الحالية .. فهل يمكننى الاستغناء عنها ؟ وما هى البدائل الإبداعية المتاحة ؟

5- ...................................

يمكنك أن تسأل نفسك ما تشاء من أسئلةٍ قد تعلمها أنت وحدك , وتعلم أن الإجابة عنها ستكون فارقةً فى حياتك وبناء مستقبلك وما خُلقت من أجله.

* واعلم أنك أنت وحدك من يستطيع الإجابة عن كل هذه الأسئلة , وإذا استطعت الإجابة عنها بوضوح , فأنت تقف على أرضٍ صلبةٍ يُمكنك الإنطلاق منها .. الآن.


إن هذا لهو التجسيد الحقيقى لقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً .. أن يتقنه ) , وقوله : ( احرص على ما ينفعك , واستعن بالله ولا تعجز ).

أخى .. فلتحرص على ما ينفعك .. اعمل واجتهد واحرص على أن تُحسن شيئاً ما ( الإتقان فى التخصص ) , وإلا فلن تكون لك أية قيمة فى هذا العالم , وعندها .. لا تلومنّ إلا نفسك.

هناك 8 تعليقات:

  1. رمضان مبارك سعيد
    وكل عام وأنتم بألف ألف خير
    اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام،
    ربي وربكم الله، هلال رشد وخير إن شاء الله
    وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه

    ردحذف
  2. آمين ..
    جزاك الله خيراً أخى محمد ..
    إن رمضان منحةٌ ونفحةٌ عظيمة من الله.
    نسأله سبحانه أن يوفقنا جميعاً لادراك ما فيه من خيراتٍ عظيمة .. إنه ولى ذلك والقادر عليه.

    ردحذف
  3. السلام عليكم
    هنيئا لكم العيد.
    بالنسبة للموضوع فهو مهم جدا لأنه يركز على جزئية من حياة الانسان في معاشه التي هي عمل لمعاده. ونظرتك هنا صحيحة ومحيطة.
    تحيتي لك

    ردحذف
  4. تسعدنى زيارتك أخى الكريم .. وشكرا لاهتمامك وتعليقك .. وكل عامٍ وأنتم بخير.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه