السبت، 13 أغسطس 2011

لقد بلغت الأربعين .. فماذا بعد ؟

لقد بلغت الأربعين ..
فماذا بعد ؟


( ووَصَيْنا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَاناً .. حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووَضَعَتْهُ كُرْهاً .. وحَمْلُهُ وفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً .. حتَّى إذا بَلغَ أشُدَّهُ وبَلغَ أرْبَعينَ سَنَةً .. قالَ ربِّ أوْزِعْنِى أنْ أشكُرَ نِعْمَتَكَ التى أنْعَمْتَ عَلىَّ وعلى والدىَّ وأنْ أعْمَلَ صالحاً ترْضَاهُ وأصْلِحْ لى فى ذُرِّيتى .. إنِّى تُبْتُ إليْكَ وإنِّى مِنَ المُسْلِمين , أوْلَئِكَ الَّذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلوا ونَتَجَاوزُ عن سيِّئاتِهِم فى أصْحَابِ الجَنَّة .. وَعْدَ الصِدْقِ الَّذى كَانوا يُوعَدُون ) آية 15-16 سورة الأحقاف.
صدق الله العظيم

إلهى .. أنت كل آمالى .. هكذا علمتنى السنين

وأنت الـرجـاء لعـبـدٍ قد بـلـغ الأربـعـيـن

يخشى من سوء خاتمـةٍ إذا الموتُ أتى الآن .. أو بعد حين 

يخشى عقابك ويرجو رحمتك .. وأنت أرحـم الراحمـين

إلهى .. أنت ملجأى وملاذى .. أنت ربى ورب العالمين

وأنا العبد الذى بنعمك قد أحطته .. وكـلَّ أهـلـهِ والوالـديـن

فاللهم أصلح لى فى ذريةٍ منّى .. وأوزعنى أن أكون من الشاكرين

وأصلـح اللـهم كـل شـأنـى .. ووفقنى لعمل الصالحين

إلـهـى قـد أتـيـتـك تـائـبـاً .. عبداً .. من عبادك المسلمين

ذليلاً إليك يا رب وحدك .. على خطو الحبيب خير المرسلين

نـادمـاً عـما اقـتـرفـت .. بذنبى قد اعترفت .. مؤمناً بالحق المبين

من عذاب نارك قد فررت .. وكأنّى أراها عين اليقـين

وبـباب عـفوك قـد وقـفـت .. يملؤنى لجـنـتـك الحـنـين

فتجاوز يا رب عما أسأت .. وأنـت أوفـى الـواعـديـن

هكذا كانت بداياتنا جميعاً .. حملاً فى بطون أمهاتنا حتى حان وقت خروجنا إلى الدنيا فى الوقت الذى كتبه الله .. لنبدأ رحلة الحياة ..


واليوم أجدنى أشعر بشعورٍ غريبٍ جديد لم أشعر به من قبل ..

 ففى مثل هذا اليوم وُلدتُ منذ أربعين سنة ..


يا إلهى .. لقد كنت إلى عهدٍ قريبٍ أنظر إلى من يصل إلى هذا السن على اعتبار أنه شخصٌ كبيـيـيـيــر .. بينى وببنه عمرٌ طويل ..

إلى وقتٍ قريبٍ كنت أظنه بعيداً .. وأنه لا يزال أمامى الكثير حتى أصل إليه ..

أهكذا هى سريعةٌ هذه الدنيا ؟

أم أنها الغفلة قد أصابتنى ؟

وكنت كلما قرأت هذه الأيات الكريمة .. أصمت قليلاً .. وأتساءل ..

هل سيمتد بى العمر إلى أن أصل إلى ذلك السن ؟

وإذا قدّر الله أن أصل إليه ..فهل سأتذكر دعاء سن الأربعين الذى ذكره تعالى فى الآيات ؟

وإن تذكرته ودعوت الله به .. فهل سيستجيب لى ؟

هل سيقبل عودتى إليه ويتجاوز عن سيئاتى ؟

وهل أصلاً أستحق عفوه بعدما فرَّطتُ فى حقه ؟

يا ربى .. إنه السنٌ الذى يمثل مفترقُ طريقِ حياةِ الإنسان , والذى لا بد أن يتوقف عنده من أجل بضع لحظاتٍ للتأمل ..
   
ففى رحلة الحياة .. كثيراً ما نحتاج إلى أن نتوقف .. لكى نبدأ..

توقف قليلاً ..

تأمل حياتك ..

قيّم ما مضى منك ..

ماذا فعلت ؟

هل عشت لنفسك ؟

هل عشت لتُشبع رغباتها التى لا تنتهى ؟

أم عشت ترعاها بحق .. فأدبتها وهذبتها وأعددتها وأديت حقها عليك ؟ 

وماذا عن أصحاب الحقوق عليك ؟

هل كنت باراً بوالديك كما ينبغى ؟

هل هما راضيان عنك حقاً ؟

وماذا أعددت لأولادك ؟

ربما لم تترك لهم مالاً , فهل تركت لهم قيمةً يحيون بها ؟

وماذا عن بقية خلق الله ؟

أكنت تراعى الله فى معاملاتك معهم ؟

وكيف جعلتهم ينظرون إليك ؟

ألم تكن تعلم أنك عندما ترعى حقوق العباد .. بجانب حقوق نفسك .. أنك بذلك تتقرب إلى الله ؟

وماذا عن حق أمًتك عليك ؟

أنسيتها وسط زحام الرحلة .. وهى حبيبتك ؟

ماذا فعلت من أجل إحيائها وإصلاحها ؟

وماذا عن دورك فى الحياة من أجل البشرية ؟

ألا تعلم أنك مُسلمٌ يتقرب إلى الله بتعمير الأرض .. كل الأرض ؟

هل بلَّغْتَ هذه الرسالة إلى مَنْ غفل مِن إخوانك عنها ؟

وهل أديت ما عليك فى نشرها وتعريفها للناس كافةً أينما كانوا ؟

بل ما الذى عملته أنت من أجل تفعيلها وتحقيقها ؟
    
أم ألهتك الدنيا .. فشغلتك بما هو لك .. عمّن أنت له ؟

ما هى إنجازاتك فيما مضى من عمرك ؟

هل وضعت ولو شيئاً بسيطاً فى ميزان حسناتك ترجو أن ينجيك الله به يوم تطيش الموازين ؟

صحيحٌ أن ما فات لا يمكن استرجاعه , ولكنك بوقوفك على  قيمة ماضيك و حقيقة واقعك .. تستطيع أن تتعرف إلى مقدار وزنك فى هذه الحياة و ما هو مقامك عند الله , فقد قالوا قديماً : ( إذا اردت أن تعرف عند الله مقامك , فانظر فيما أقامك ).

إنها لحظات تأملٍ لا بد منها إذا ما أردت البداية الصحيحة .. من أجل بناء مستقبلك أفضل من ماضيك وحاضرك .. لحظات تراجع فيها نفسك وتحاسبها على أفعالها .. لم فعلت هذا , ولم تركت ذاك ؟

إلتفت إلى الماضى .. ليكون دافعاً , ولا تلتفّ به .. فيكون لك عائقاً.

وحتى لا يقنط الإنسان من كثرة ذنوبه أو تقصيره وشعوره بأن الأوان قد فات وبأنه لم يعد مُتّسعٌ لإدراك الوقت , فقد ورد عن بعض السلف قولهم لكل من أراد أن يبدأ من جديد .. لكل من أراد غداً أفضل لنفسه وأهله وأمته .. لكل إنسانٍ يحيا هذه الحياة بجدية : ( إن غداً هو أول يومٍ فيما تبقى من عمرى ) ..

ولكنى عندما تأملت .. وجدت أنه ربما يأتى الغد فى الوقت الذى لم يعد لى فيه وجود , لذا ينبغى علىَّ أن أبادر فقلت : ( الآن هو أول لحظةٍ فيما تبقى من عمرى ).

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    معك حق فى ان الانسان لابد ان يحاسب نفسه ليصحح الاخطاء ، و لكن بدون كل هذا الخوف فالله غفور رحيم يغفر كل الذنوب بلحظة توبه صادقه و يجزى بالخير الكثير من ينوى فعل الخير ،
    وفقك الله تعالى لما يحبه و يرضاه ...

    ردحذف
  2. أختى ريهام ..
    إنه حال العبد الدائم كما ينبغى أن يكون ما بين الخوف والرجاء , الخوف من عقابه والرجاء فى رحمته , بل والطمع فى فضله.
    وفقنى الله وإياك إلى ما يحب ويرضى وكتبنا من عتقائه من النار فى هذا الشهر الكريم.

    ردحذف
  3. السلام عليكم.
    الأربعين سن الرشد والتعقل، وكما تعلم جميع الأنبياء بعثوا في سن الأربعين.
    أخي أرى أنك أثرت نقاطا موضوعية، وهي كمراجعات لحياتك وحياتنا، فما أجمل أن يتعمد الإنسان تذكرة نفسه، وخاصة في مثل هذه المحطات.
    بارك الله لك في عمرك :)

    ردحذف
  4. بالفعل فإن هناك لأعمارنا محطات ينبغى أن نتوقف عندها لتقييم ما فات منها ولإعادة ترتيب ما تبقى منها.
    جزاك الله خيراً أخى الكريم/ أبو حسام الدين على زيارتك الكريمة وعلى تعليقك المتميز.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه