الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

حرية التعبير بين قانون الطوارىء .. وحد الحرابة

حرية التعبير
 بين قانون الطوارىء .. وحد الحرابة

" الحرية هى قول وفعل ما تريد بلا ضرر و بأدب " ..

إنه التوصيف الجامع المتحضر المُختصر المُفيد فى معنى كلمة الحرية كما أبدعه د. طارق السويدان فى حواره الرائع مع الإعلامى المعروف عمرو أديب فى إحدى حلقات برنامجه القاهرة اليوم , فما أحوجنا إلى تدبر هذا المعنى المتحضر للحرية وفهمه والعمل به , وخاصةً بعد حالة " الإنفلات التعبيرى " التى نعانيها منذ قيام الثورة فى مصر.

من خلال الإنصات الجيد إلى هذا الحوار المتميز وتحليل ما جاء فيه , يمكنك أن تفهم فلسفة الثورات بشكلٍ عام , وأن تستوعب - بشكلٍ خاص - كل أحداث الثورة المصرية قبل وأثناء وبعد قيامها , وما الذى يمكن أن تؤول إليه والسيناريوهات المطروحة لمستقبلها.


وقد تعرض د. طارق لمسألة التغيير المصاحب للثورة أو ما يمكن أن نطلق عليه " التغيير الثورى " وما يصاحبه من اضطراباتٍ واعتصاماتٍ وما قد يصاحبها من أشكالٍ من الفوضى وسوء استيعاب مفهوم حرية التعبير .. رغم أنه حقٌ إنسانى... 

وهذا - فى رأيى - ما يمكن أن ينعكس فى صورة سلوكياتٍ خارجةٍ أو تصرفاتٍ غير مقبولة , خاصةً وأن الغالبية الكاسحة من الشعب قد حٌرمت ممارسة هذا الحق لسنواتٍ طويلة , بجانب انعدام ثقافة حرية التعبير أصلاً لدى الكثيرين منهم , وبالتالى فإن الغالبية منهم يفتقدون إلى التوازن النفسى والإنفعالى الذى يُمكنهم من استخدام هذا الحق فى إطاره الصحيح

ومن أهم ما جاء فى الحوار .. هو الأساليب التى يستخدمها أعداء التغيير للحيلولة دون تحققه , وهو ما يسمى بمقاومة التغيير , حيث أن هناك عشرين أسلوباً لذلك , أولها هو التركيز على مهاجمة الشخص أو الأشخاص القائمين على عملية التغيير وتشويه صورهم والعيب فى ذواتهم وليس مهاجمة الفكرة أو مناقشتها , ثم التدرج فى استخدام تلك الأساليب , حتى إذا فشلوا تماماً فى إيقافه .. لجأوا إلى الوسيلة الأخيرة وهى التصفية الجسدية.

ومن هنا كان لا بد أن نتعرف جيداً على تلك الأساليب لمقاومتها , وهو ما يسمى بعلم " مقاومة المقاومة ".


وإحداث حالةٍ من الفوضى فى البلاد إنما هى جزءٌ من عملية المقاومة التى يُقصد من ورائها تشويه عملية حرية التعبير والانتكاس بها إلى حال ما قبل الثورة , وفى إعتقادى أنها أحد أولويات النظام الحاكم السابق , ربما فى محاولة أخيرة يائسة للعودة من خلال توصيل شعور فقدان الأمان بزوال النظام الحاكم ( كما كان يحذر مبارك فى خطاباته أثناء أحداث الثورة ) , وربما يكون بمنطق شمشون ( علىَّ وعلى أعدائى ).  

هذا بالطبع بخلاف الأعداء الخارجيين المعروفة مواقفهم ونواياهم تجاه الثورة , حيث أنه ليس من مصلحتهم قيام دولة ديمقراطية ذات رأىٍ حرٍ نابعٍ من إرادة كاملة للشعب على أرض مصر قد تعارض مصالحهم وطموحاتهم ومخططاتهم.

كما أنى أستشعر بأن هناك تواطؤاً غريباً - بقصد وبدون قصد - بين قطاعاتٍ متعددة فى المجتمع بقصد استمرار حالة عدم الاستقرار , وتسخير كافة وسائل الإعلام غير المسؤولة من أجل تحقيق هذا الغرض , ومظاهر ذلك تبدو من خلال :

1- تعمد التركيز على بعض القرارات الخاطئة أو السلبية التى يتخذها المجلس العسكرى وهو أمرٌ طبيعىٌ وواردٌ أن يحدث لأى شخصٍ أوجهةٍ مسؤولةٍ عن إدارة شؤون بلاده فى أى مكانٍ وزمان , وذلك دون مناقشتها بموضوعيةٍ تبحث كافة جوانب وملابسات إتخاذ تلك القرارات.

2- تعمد التشكيك فى قدرات المؤسسة الأمنية المتمثلة فى أجهزة وزارة الداخلية والإكثار من الحديث عن الضعف الأمنى وغياب الشرطة , وهذا - فى رأيى - غير صحيح ويحمل الكثير من المبالغة المقصودة , فالشرطة موجودة ومنتشرة , ولكنها مغلولة اليد ومغلوبة على أمرها فى كثيرٍ من الأحيان , وقد رأينا تكرار الإعتداءات على أقسام الشرطة فى أنحاء متفرقة من البلاد.

3- تعمد إبراز سلبيات وتجاوزات بعض أفراد الشرطة , وهو أمرٌ واردٌ أن يحدث من جهازٍ إنتشر الفساد بين عددٍ كبيرٍ من أفراده ويحتاج إلى زمنٍ ليس بالقصير حتى يتم تعديله , بالإضافة إلى تعميم ذلك وكأن كل أجهزة الشرطة مخطئة , وذلك إما بقصد تأصيل وتوسيع الفجوة بين الشرطة والشعب أو بقصد الإثارة وجذب أكبر عدد ممكن من المتابعين ( قراء ومشاهدين ) مما يعنى جذب المزيد المعلنين وجنى المزيد من الأرباح.

4- تعمد إغفال معظم الإيجابيات الفردية أو الجماعية التى تقوم بها الشرطة , وهى ليست بالقليلة حتى يتم إغفالها , وكأنه لم يحدث أى تغيير أو حتى نسبةٍ من التحسن على الإطلاق , على الأقل فى التعامل مع المواطنين.

5- تعمد إبراز الجرائم المجتمعية وأعمال البلطجة وكأنها جديدة على المجتمع المصرى وتصويرها على أنها قد عمت الأرجاء لدرجة أنها تقيد حرية حركة المواطنين فى حين أنها كانت شبه مقننة قبل الثورة , وقد كان مما يُأخذ بشدةٍ على الشرطة فى السابق إهتمامها بالأمن السياسى على حساب الأمن الجنائى.

6- تعمد وضع أجهزة الشرطة فى موقف الجانب المخطىء دائماً ( مع الإقرار بوجود أخطاء ) وذلك بتعمد تخويفه من القيام بدوره فى الحفاظ على الأمن كما ينبغى , فإذا قامت الشرطة بالقيام ببعض مهامها الأمنية بالدفاع المشروع عن النفس أو عن المواطنين أو عن المنشآت .. قالوا لقد أفرطت الشرطة فى استخدام القوة وأعادت إلى أذهاننا الصورة القبيحة التى كانت قبل الثورة ( كما حدث فى أحداث مسرح البالون ) , وإذا لم تتدخل الشرطة ووقفت موقف المتفرج خوفاً من الإنتقادات المحتمل أن توجه إليها ( وهو لا يصح أن يكون مبرراً للتخاذل بالتأكيد ) قالوا ...

ما هذه السلبية ؟
وكيف تترك الشرطة البلد هكذا فى حالة فراغٍ أمنى ؟
ويتساءلون .. متى ستعود الشرطة ؟

وهو ما أوقع وزارة الداخلية فى حالةٍ من عدم الثقة بالنفس وعدم القدرة على القيام بمهامها كما ينبغى , وهو ما يعمل على استبعاد الشرطة من المعادلة الأمنية على حد تعبير البيان الصادر عن وزارة الداخلية عقب أحداث الشغب الأخيرة , والتى استهدفت مبنى وزارة الداخلية ومديرية أمن الجيزة بالإضافة إلى السفارة الإسرائيلة , وهو ما يُعد " إساءة بالغة لمفهوم حرية التعبير " استدعى تحويل المتورطين في الهجوم على السفارة الإسرائيلية إلى محكمة أمن الدولة وإصدار قرار بتفعيل قانون الطوارىء , وهو ما استدعى اختلافاً جديداً بين القوى السياسية المختلفة أصلاً.

علماً بأن مواجهة كل أعمال البلطجة بكافة صورها مما يُجمع عليه الشعب - طبعاً باستثناء البلطجية أنفسهم أو من يقومون بتوجيههم - وعلى ضرورة قيام الشرطة بدورها فى مواجهته بكل حزمٍ وقوة.

وفى حدود علمى .. أن القوانين الإستثنائية لا تكون إلا فى ظروفٍ استثنائية , فإذا وُجدت حالة سياسية أو أمنية غير مستقرة .. يتم استدعاء قانون الطوارىء , وهل هناك أكثر من مثل حالة الفوضى الثورية التى نعيشها ؟

وقانون الطوارىء يمكن أن يكون بمثابة حد الحرابة الموجود فى شريعة الإسلام إذا استدعى الأمر تطبيقه كما فى قوله تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الَأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوا مِنَ الَأرْضِ) سورة المائدة رقم 33.

ومن باب الموضوعية .. فلا بد هنا من توضيح معنى الحِرابة ومقارنتها ببعض أعمال البلطجة التى تتطابق معها قبل التحيز إلى جانب المؤيدين أو جانب المعارضين لتفعيل قانون الطوارىء وتحليل أوجه التشابه والإختلاف بينهما مع مراعاة اختلافات العلماء فى ذلك , ثم إتخاذ القرار بالانضمام إلى أحد الفريقين.

ومعنى الحرابة ( فى الفقه الإسلامى ) هو قَطْعٌ للطريق يَحْصُل بخروج جماعةٍ مُسَلَّحةٍ أو فردٍ واحدٍ له جبروته لإحداث الفوضى وسَفْكِ الدِّمَاء وسلْب الأموال وهتك الأعراض وإهلاك الحَرْثِ والنَّسل.

واشترط الفقهاء لعقوبة الحِرَابة أن : يكون الشخص مُكَلَّفًا يحمل سلاحًا ، وفي مكانٍ بعيدٍ عن العُمران , وأن يُجاهر بذلك ، ويمكن أن يكون السلاح عَصَا أو حَجَراً ، وإذا كان الإرهاب داخل العُمران مع إمكان الاستغاثة لم تكن حِرابة عند بعض الفقهاء ، وأَلْحَقَهَا بعضهم بالحِرابة لعموم الآية ولأن التَّرْويع مَوْجُود في أي مكان ، ولو أُخِذَ المال سِراً كان سَرِقة ، فالحِرابة تقوم على المُجاهرة وعدم الخوف , وهو ما أسميه " الفُجْر فى الجُرْم ".


ولو لم تتحقق هذه الشروط في حد الحِرابة أَمْكَنَ للقاضي أن يحكم بالتعزير، والتعزير فى المذهب الحنفى قد يصلُ إلى القَتْل.


والعقوبات الموجودة في الآية مُرَتَّبة ، كل عقوبة على قَدر الجريمة ، فإن كان قتلٌ مع أخذ مال فالعقوبة قتلٌ وصلب وإن كان قتل بدون أخذ مال فالعقوبة القتل فقط ، وإن كان أخذ مال دون قتل فالعقوبة تقطيع الأيدي والأرجُل ، وإذا كان إرهاب دون قتل ولا أخذ مال فالعقوبة النَّفي وقال مالك ، العقوبة مُخيرة .. وللقاضي أن يحكم بما يشاء فيها.


هذا حكم الله .. فأرونى كيف يحكم الذين من دونه ؟

وأود التنبيه إلى أنه إن كان لا بد من تفعيل قانون الطوارىء , فلا بد أن يكون هناك ما يضمن تطبيقه على من يستحقه من البلطجية ومهربى الأسلحة وتُجَّار المخدرات , والحيلولة دون إساءة استخدامه فى كبت الحريات كما كان يحدث فى ظل نظام الحكم الفاسد.  

وفى النهاية .. على الرغم من أن الأمر سيستغرق وقتاً حتى يكتمل , فقد أكد البيان على أن وزارة الداخلية قد غيرت عقيدتها وفلسفتها بعد الثورة , واحترامها الكامل لحقوق التظاهر السلمى ، وحرية الرأى والتعبير.

وأختم بما بدأت به بتعريف معنى الحرية مرةً أخرى وهو " قول وفعل ما تريد بلا ضرر وبأدب " .. فهل هناك من يجيد الإنصات ؟

هناك تعليقان (2):

  1. مقال ممتااااااااااااز جداً ، حبذا لو تشتت اقسام المدونة ستكون مدون مرموق جدااا ، تحياتى لك اخى وشكرا على المقال ياغالى !!

    ردحذف
  2. أحمد الله أن هناك من أعجبه المقال.
    أشكرك أخى / مصطفى محمود على هذا الإطراء المحفز , وأشكر لك زيارتك وتعليقك.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه