الاثنين، 24 أكتوبر 2011

تحديات تسويقية ج2

إرتفاع تكاليف عملية التسويق

تعرف صديقى خالد " رجل الأعمال " على هذا المُنْتَج عندما كان فى زيارةٍ لألمانيا , وانبهر بإمكاناته , ورغم أنه " صينى الصنع " , إلا أنه عالى الجودة , وإلا ما كان وجد طريقه إلى ألمانيا ودول الإتحاد الأوروبى التى تشترط أعلى وأدق مواصفات الجودة فى العالم , ورغم أن خبرته كانت فى مجال إدارة المطاعم فى بعض دول أوروبا , وخاصةً هولندا , وهو مجالٌ حقق من خلاله أرباحاً عالية , إلا أنه قرر المغامرة بالحصول على توكيل هذا المُنْتَج من الشركة المنتجة فى الصين لتسويقه فى جمهورية مصر العربية.

وقد تعرفت عليه فى الفترة التى حصل فيها على ذلك التوكيل منذ حوالى تسع سنوات , وقد أنفق معظم ما يملكه من سيولة مالية - فى ذلك الوقت - على تخليص البضاعة واستخراج كافة التراخيص اللازمة - وخاصة تصريح وزارة الصحة - للنزول بالمنتج الجديد إلى السوق المصرى , مما أثر على قدرته المالية وأضر بها كثيراً كما سنرى.

كان - وما زال - يمتلك صاحبنا مُنتجاً متميزاً للغاية , إنه مبيد حشرى قاتل وطارد فى ذات الوقت للحشرات الزاحفة , وخاصةً النمل الذى لا تجد معظم البيوت له حلاً يحد من انتشاره فى فصل الصيف , بالإضافة أن كل مكوناته طبيعية و آمنة على صحة الإنسان ولا تسبب حساسية من أى نوع , و ليست له رائحة على الإطلاق , و سهل الوصول إلى أى مكانٍ أو ركنٍ بالمنزل.

بالتأكيد كلها مميزات يصعب أن تجدها مجتمعة فى معظم المبيدات الحشرية الموجودة , كما أنها تلبى احتاجات قطاعاتٍ عريضةٍ فى المجتمع ممن يبحثون عن المنتجات الفعالة والآمنة فى نفس الوقت.

ولكن هل هذه المميزات ( مجتمعة ) تكفى لانتشار المنتج وتعريف المستهلك به ليُقبل عليه ويشتريه ؟ 

لقد واجهت هذا المُنتًج عدة صعوبات وعوائق فى طريق تسويقه وانتشاره فى السوق المصرى لم تقتصر فقط على (1) كونه منتجاً جديداً فى السوق , وإنما تمثلت أيضاً فى فكرته الجديدة على السوق - فى ذلك الوقت - و (2) تقنية استخدامه غير التقليدية والتى لم يعهدها المستهلك من قبل.

وقد أُشتهر عن الصينيين أنهم يصنعون - لأى مستوردٍ لمنتجاتهم - السلعة التى يريدها المُستَوْرِد وفق مستوى الجودة الذى يطلبه أو يحدده , أو بحسب إمكاناته وقدرته المالية ..

لذا فقد استغل الكثيرون من المستوردين المصريين هذا الأمر , فأخذوا يتنافسون فيما بينهم على جلب السلع الصينية بأقل سعرٍ ممكن , وبالتالى بجودةٍ أقل , وذلك لسببين : أ- أن يكون فى متناول المستهلكين ذوى الدخل الأقل , حيث أنهم - للأسف - يُشكِّلون غالبية سكان مصر , ب- ضمان تلف البضاعة بسرعة , لأن عمرها الإفتراضى قصير بما يضمن لهم استمرار نشاطهم التجارى و سرعة دوران رؤوس أموالهم .. يعنى أرباح وفيرة.

وهو - بالطبع - ما أثر على مستوى جودة السلع الصينية فى مصر , حتى (3) أصبح المنتج الصينى فى السوق المصرى مرادفاً لرداءة الجودة بخلاف السلع الصينية فى الولايات المتحدة أو الإتحاد الأوروبى , فقد عشنا لسنواتٍ قاسيةٍ فى ظل حكومةٍ فاسدةٍ لم يكن يعنيها الرقابة حتى على توفير الحد الأدنى من مستويات الجودة اللازمة للحفاظ على صحة وسلامة المواطن المصرى , وهذا ما أعتبر أنه كان أكبر العوائق التى وقفت فى طريق منتجنا الصينى المتميز. 

وكذلك نظراً لأن خالد لم يكن دارساً الأمر جيداً بكل أبعاده - (4) كمعظم المستثمرين فى بلادنا - حيث لم يكن متخصصاً ولم يستعن بمتخصصين فى إدارة التسويق ( التحدى التسويقى الأول ) , لذا فقد قام بتسعير المنتج ( سياسة التسعير ) فى ضوء سعر بيعه فى دول الإتحاد الأوروبى ( الأعلى دخلاً والأكثر رفاهية ) , كذلك وفقاً للإمكانات المتفردة التى تميز المنتج عن المنتجات المنافسة ( وإن كانت أقل جودة منه ).

وبذلك فقد وضع- لنفسه بنفسه - صعوباتٍ و معوقاتٍ إضافيةٍ تمثلت فى (5) المبالغة فى سعر البيع , و كانت وجهة نظره فى ذلك تعتمد على جوانب عدة هى : (1) أن هذا هو السعر العادل للمنتج فى ضوء تجربة سوق آخر لا يشبه السوق المصرى و دون مراعاة : أ- مستوى الدخل ب- ثقافة المستهلك ج- حداثة السلعة بالنسبة إلى السوق المستهدف ومتطلبات تعريف وإقناع المستهلك بتقنيتها الجديدة وفوائدها د- أسعار المنتجات المنافسة , (2) تعويض مصاريف البداية - الكبيرة - التى تكبدها , (3) تحقيق أعلى ربحٍ ممكن , وهو ما يأتى ضمن سياسات التسعير الخاطئة التى لا تعتمد على دراساتٍ فعليةٍ أو جادةٍ للسوق والتى يتبعها - للأسف - الكثير من المستثمرين فى بلادنا.

بالتأكيد .. أى سلعة جديدة فى أى سوق ستواجه كل أو بعض هذه الصعوبات , ومواجهة هذه الصعوبات تتطلب فى البداية - كما يعتقد معظم الناس - الإنفاق ببذخ من أجل التعريف به فى السوق , ولكن .. ما هو الحل التسويقى الأمثل للتعامل مع مشكلة نقص الإمكانات ؟

وهنا يكمن التحدى التسويقى الثانى الذى يتمثل فى عدم توافر الإمكانات المادية اللازمة لعملية التسويق مع ارتفاع تكاليف التسويق ( التقليدى ) , وذلك فى ظل قلة موارد المشروع الناشىء بشكلٍ عام , وهو يأتى ضمن التحدى العام الأشهر الذى يواجه معظم المشروعات الناشئة - والصغيرة بالذات - فى منطقتنا العربية .. نقص التمويل وقلة الموارد المتاحة.

كان من المُخَطط عمل حملة دعاية ضخمة فى التليفزيون والصحف والمجلات الكبرى , ونظراً لقلة الإمكانات , فقد اكتفى خالد ببعض الإعلانات فى بعض الصحف القومية واسعة الإنتشار , مع نشر وتوزيع ملصقات تبين مميزات المنتج فى أماكن متفرقة قدر الإمكان , وهو أمرٌ جيدٌ يأتى ضمن ضرورة وضع حدٍ أدنى من الميزانية من أجل التسويق .. لتحقيق الحد الأدنى من التواجد فى السوق.

وجاء الأمر ببعض بوادر الخير , فبدأت بعض الشركات تتصل به , بعضها كان يتفاوض على شراء المنتج بالكامل ليحتكره فى السوق , و البعض الآخر جاء للحصول على حق توزيع المنتج فى مناطق متفرقة من مصر , وكان تركيز الجميع أثناء عملية التفاوض على تخفيض السعر إلى أقل ما يمكن , وهو ما كان يراه بخساً لسلعته واستغلالاً لظروفه , ومع الأخذ فى الاعتبار أن الجميع كانوا يعلمون أن خالد جديد - أو دخيل - على هذا المجال , فقد كانت كل شركة منهم تتفاوض أيضاً من هذا المنطلق , لعلمهم بأنه من الصعب عليه تصريف هذه الكميات الكبيرة - بالنسبة له - من المُنتج الجديد , وأنه لا بد وأن يلجأ - فى النهاية مضطراً - إلى إحداها.

لم يخضع خالد لتلك الضغوط أو للعروض المُجحفة - من وجهة نظره - من قِبَل تلك الشركات , إيماناً منه بأنه يستطيع الاعتماد على نفسه - بنفس طريقة تفكيره وتسعيره - فى تسويق المُنْتَج , وذلك أنه كان يرى :

  • أنه لن يتنازل عن هامش الربح الذى قدره لنفسه.
  • أن السعر الذى حدده - سواء سعر المستهلك أو السعر التجارى - هو السعر العادل الذى يستحقه المنتج.
  • أنه لا يقبل البيع الآجل أو إعطاء أية تسهيلات , لأن السوق - من وجهة نظره - غير مُطَمْئِن , وأن ظروفه المالية لا تحتمل المخاطرة.
  • أن جودة المنتج ستفرض نفسها على السوق , رغماً عن الجميع.
  • أنه لا يصح أن يتنازل أو يخضع للابتزاز - كما يعتقد - مهما كانت الضغوط والصعاب.
  • أنه قادرٌ على التحدى وكسب معركة السوق.

وبذلك فقد أضاع على نفسه - من وجهة نظرى - فرصاً كبيرة على المدى القصير تتمثل فى الآتى :

  • الحصول على السيولة المالية الكافية واللازمة لاستمرار عمله والحفاظ على التوكيل أو تغيير النشاط إذا رغب ذلك.
  • تحقيق قدر لا بأس به من الأرباح فى زمن قياسى.
  • تحقيق الانتشار السريع لمنتجه بأقل تكلفة وبأقل مجهودٍ ممكن.
  • ضمان الوصول إلى العميل المستهدف من خلال تلك الشركات المتخصصة.
  • تصريف المخزون الكبير من السلعة والتحضير لاستيراد المزيد.
  • كسب ثقة الشركة المنتجة بإظهار القدرة العالية على تسويق المنتج.
  • تقوية الموقف التفاوضى مع الشركة المنتجة للحصول على أسعار أقل أو تسهيلات أكبر.
وبعد فشل كل المفاوضات مع كل الشركات ( المتخصصة ) , بدأ صاحبنا فى تقبل الواقع , وفى ظل استمرار الوضع المالى الضعيف , فقد اضطر - بعدما تبين له - إلى تغيير اتجاهاته عن طريق :

1- تخفيض السعر بما يحقق التوازن بين جودة المنتج وتميزه من جانب وبين أسعار المنتجات المنافسة من جانبٍ آخر وبين قدرات المستهلك وثقافته من جانبٍ ثالث , حيث التركيز على شريحة اجتماعية مثقفة ذات مستوى دخل أعلى من المتوسط.

2- كما لجأ إلى البحث عن موزعين ( وإن كانوا صغاراً ) فى عدة محافظات خارج القاهرة مع إعطائهم نسبة ربح مجزية تكون دافعاً لهم على الاستمرار فى العمل معه , حتى وإن لم يكونوا محترفين فى بيع الأدوية أو تسويق المنتجات الصيدلانية.

3- وكان أهم ما لجأ خالد إلى استخدامه بجانب ذلك , هو العمل والتركيز على كسب ثقة المستهلك من خلال تجربة المنتج والتأكد من والاستمتاع بجودته , ليتحول بمرور الوقت إلى عميلٍ دائم يعمل لحسابه من خلال ما يعرف بالتسويق بالمديح ( Word-of-Mouth Marketing ) والذى يعتمد على السمعة الطيبة التى اكتسبتها السلعة أو الخدمة لدى العميل , وهو من أفضل وسائل التسويق الناجحة والمؤثرة التى يمكن الإعتماد عليها على المدى البعيد .. خاصةً فى حالة عدم القدرة على توفير ميزانية كافية لعملية التسويق , وهو ما قام خالد بالتركيز عليه فعلاً.


* وقد أظهرت بعض الدراسات أن العميل الراضي سيخبر ثلاثة أشخاصٍ - في المتوسط - عن السلعة أو الخدمة التي هو راضٍ عنها , في حين أنه سيخبر عنها أحد عشر شخصاً حال كونه غير راض.

وقد كان لهذه الوسائل أثراً فى انتشار المُنْتَج , وإن كان لا يزال محدوداً , كما كان لى نصيبٌ من هذا الأمر ومواقف عشتها مع هذا المنتج خرجت منها بدروسٍ عظيمةٍ ستكون لها مقالاتٌ منفصلة إن شاء الله.

وخلاصة القول أنه يمكن - كما أعتقد - مواجهة التحدى التسويقى المتمثل فى ضعف الإمكانات - المادية أو البشرية - بالتعامل مع الواقع بمرونةٍ وإبداع , وذلك فى إطار :

  • المغامرة .. بشرط أن تكون محسوبة.
  • التحلى بالمرونة الكافية لاغتنام الفرصة البديلة حال وجدت الواقع ليس كما توقعته.
  • الإستعداد للتنازل المؤقت فى سبيل الحصول على مكاسب دائمة أكبر.
  • التحدى وعدم الاستسلام للواقع والبحث عن حلولٍ مبتكرة.
  • استغلال الإمكانات المتاحة أفضل استغلالٍ ممكن , وتحقيق الربح من أية إمكانية تمتلكها وإن كنت تظنها صغيرة , فقد يكون سر النجاح فيها.
وإلى اللقاء فى تحدٍ تسويقىٍ جديدٍ إن شاء الله.

رابط مقال التحدى التسويقى الأول

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه