السبت، 8 أكتوبر 2011

حرب السادس من أكتوبر

معركة استعادة الأرض .. والكرامة

فقدان الكرامة ليس بفقدان أرضك , وإنما بأن تقبل بفقدان أرضك.

فإذا فقد الإنسانُ الأرضَ والكرامةَ معاً فى ذات الوقت .. فهل ترونه يستحق الحياة ؟

الحاج / محمود عبد الفتاح ( أحد أبطال حرب أكتوبر ) يجلس متأثراً للغاية أمام قبر الرئيس الراحل أنور السادات


قررنا النزول من السيارة لرؤية المكان عن قربٍ لأول مرةٍ فى حياتنا , وجدنا جمعاً من الناس يقفون حول قبر الرئيس الراحل أنور السادات , منهم من يسأل له الرحمة من الله , ومنهم من يقرأ فاتحة الكتاب , ومنهم الذى يترحم على أيامه وأيام إنتصارات أكتوبر , ومنهم من شغله تصوير المكان وأخذ الصور التذكارية , وبينما الوضع كذلك ..

فإذا بالحاج محمود يتقدم بين الناس حتى وقف أمام القبر وقد بدا عليه التأثر والانفعال قائلاً :

( الراجل ده ما حدش عارف قيمته .. أنا واحد من الجنود الى حاربوا معاه فى أكتوبر بعد ما خدمت فى الجيش أكتر من تلات سنين .. الراجل ده هو اللى رجعلنا كرامتنا وأرضنا بعد ما ضاعوا مننا .. يا ريت الجيل الجديد يعرف قيمته .. لكن مصيرهم يعرفوا ).

إغرورقت عيناه بالدموع , وأغرق فى صمتٍ عميق , فجلس عند قبر السادات وكأنه قد ذهب إلى عالمٍ من صُنعه , بعيدٍ عن ضوضاء الواقع , يُمعن فيه التفيكر بهدوء ليقارن بين حال هوان أمتنا اليوم على بقية الأمم , وبين حالنا وقت الإنتصارات.

هذا الرجل ( الحاج محمود ) أعرفه منذ حوالى سبع سنوات , هادىء الطباع .. دمث الخلق .. بشوش الوجه , شهم الطباع , كنا معاً أمس الأول ( 6 أكتوبر ) فى القاهرة , وأثناء مرورنا ب " المنصة " والنُصُب التذكارى لشهداء حرب أكتوبر المجيدة .. لفت انتباهنا ازدحام السيارات وتجمع الكثير من الناس أمام النُصُب التذكارى بشكلٍ لم نعهده من قبل , فقد كان مجرد الاقتراب من ذلك المكان ممنوعٌ منعاً باتاً قبل الثورة.

لم يلتفت الحاج محمود إلىَّ على الإطلاق وأنا ألتقط له الصورة , وكأنه  مشغولٌ  بالتفكير فى موقف كثيرٍ من الناس من ذلك الرجل الراقد فى قبره , والذى قد لا يكون - من وجهة نظرى - موقفاً محايداً أو موضوعياً فى كثيرٍ من الأحيان.

بالتأكيد .. ليس هناك من إنسانٍ يُجمع عليه الناس , فكلنا له ما يعيبه قبل أن يكون له ما يميزه , و( كل ابن آدم خَطَّاء ) كما أخبرنا حبيبنا خير الأنام عليه الصلاة والسلام .. هذه قاعدة نبوية أنظر من خلالها إلى الناس أجمعين فى كل زمانٍ ومكان.

ولكن من المفارقات العجيبة التى رأيتها فى هذه الدنيا ..

أن من ضيع الأرض ونكًّس رأس شعبه وأهدر كرامته .. يُمَجِده شعبه - المُهدرة كرامته -حتى بعد موته , بل ويعتبرونه مُحررهم ومُخَلصهم وزعيمهم الذى لن يجود الزمان بمثله ..


هذا فى الوقت الذى نجد فيه ذات الشعب يُخوِّن من حرر الأرض وأعاد إليه كرامته وهيبته , حتى أن البعض منهم قد حكموا عليه بالقتل رمياً بالرصاص , ثم نفذوا فيه الحكم , على الرغم من أن الخروج المُسَلَّح على الحاكم لا يجوز شرعاً بإجماع علماء المسلمين , إلا إذا أظهر كُفراً بواحاً ..


إخوتى وخواتى ..

أتساءل .. هل من المنطقى أن نتناسى أو نتغاضى عما قام به قائدٌ لأعظم إنجازٍ وأكبر انتصارٍ عسكرىٍ"  للعرب والمسلمين " على مدار قرونٍ من الإنكسارات المتتالية ( بالمناسبة .. لا يوجد خلافٌ على هذه النقطة .. تاريخياً أو عسكرياً  ) منذ بدء عصور ضعف الأمة وتخلفها وحتى وقت كتابة هذه السطور , ثم نُخوِّنه أو نٌقلل من شأنه من أجل اجتهاده فى إبرام معاهدةٍ مع العدو لا يزال الجدال حولها مستمرٌ بدون حسمٍ حتى الآن بين فريقين من المؤيدين والمعارضين حول مكاسبها وخسائرها , وهذا مع علمنا الكامل بأن الاجتهاد البشرى قد يخطىء وقد يصيب ؟


صورة للنصب التذكارى تحوى بعض أسماء شهداء حرب أكتوبر 1973
افتتحه السادات فى أكتوبر 1977 وأغتيل أمامه فى أكتوبر 1981

حتى وصل الأمر إلى تًعَمُّدِ البعض مسح إنجاز الإنتصار بممحاة المعاهدة , دون محاولة بحثها بجدية أو الوقوف على مكاسبها وخسائرها بمنهجيٍة وموضوعية.

إخوتى ..

أنا هنا لا أؤيد المعاهدة مع العدو على إطلاقها .. بل وأؤكد على أننا لن نستعيد بقية أراضينا المُحتلة إلا بالجهاد .. الجهاد بالنفس أو بالسلاح أو بالمال و بالكلمة .. الجهاد بحشد كل إمكاناتنا الممكنة فى الوقت الحالى .. الجهاد باكتساب قوى وإمكانات جديدة عسكرية و علمية و أخلاقية و اقتصادية .... , وقل ما شئت من إمكاناتٍ نفتقدها ونحتاجها بشدة.

قد نتفق وقد نختلف على بعض بنود " معاهدة كامب ديفيد " , وقد يحتدُّ بيننا النقاش حول مكاسب قد تحققت من خلالها ( مثل استعادة معظم الأراضى المُحتلة بعد عام 1967) , أو خسائر تكبدناها بسبب سوء استخدام ما جاء فيها من قِبَل من أداروا شؤون البلاد بعد السادات على غير ما أراده - فى ظنى - وهو المعروف بدهائه السياسى .. فلربما - والله وحده يعلم - كان يريد خداع العدو واستدراجه بالاعلان بأن حرب أكتوبر هى آخر الحروب , ولكنَّ القَدَر لم يمهله لحكمةٍ أرادها مُدبِّرُ الأمر سبحانه .. من يدرى ؟! .. وذلك فى الوقت الذى قد يرفض فيه البعض الآخرهذه المعاهدة بالكلية ..

ولكنى هنا أود التأصيل لمبدأ جواز التفاوض مع العدو .. بالطبع إذا كنت أفتقد للإمكانات التى تمكننى من استرداد حقى بذات القوة التى استولوا بها على هذا الحقوذلك حتى أتمكن من إعداد القوة اللازمة والإمكانات المطلوبة لمعركة استرداد الحق المسلوب , فما الذى يمنع سعيى للحصول على أكبر مكاسب ممكنة بوسائل أخرى تقربنى من الوصول إلى حقى .. بدون قتال حقناً لدماء المسلمين وبدلاً من أن تضيع هذه الدماء دون تحقيق أى تقدم ونحن فى أمس الحاجة إلى كل قطرةٍ منها ؟

وعموماً .. فهذا ما أرى أن الحكمة تتطلبه فى بعض الأحيان , ويتفق تماماً مع قول بعض كبار علمائنا كما فى قول الإمام القرطبى فى كتابه " الجامع لأحكام القرآن " : ( إن كان للمسلمين مصلحةٌ فى الصلح لنفعٍ يجتلبونه أو ضررٍ يدفعونه , فلا بأس أن يبتدىء المسلمون إذا احتاجوا إليه ). 

وكما قال الإمام الشوكانى : ( إن مصالحة العدو ببعض ما فيه ضيمٌ على المسلمين جائزٌ للحاجة والضرورة دفعاً لمحظورٍ أعظم ). 
    
وبمزيدٍ من إمعان التفكير فى الأمر .. وجدت المفارقة الأعجب .. إنها مفارقة التمجيد والحب المتفانى من الناس لمن حرر أراضيهم وبلادهم التى يعيشون هم على أراضيها , فى الوقت الذى ضاعت فيه أعز وأغلى وأقدس أراضيهم على يديه هو نفسه ..


* ومع الإقرار بأن له أيضاً حسناته التى لا يمكن إنكارها والتى لن ينساها له التاريخ ( شأنه فى ذلك شأن كثيرٍ من الحكام ) .. فبالله عليكم .. من غير ذلك الزعيم ( عبد الناصر ) قد أضاع القدس ؟ 

واعجباً ! وكأن القدس ليست قطعةً من أراضيهم ..

وكأن لسان حال أبناء كل دويلةٍ أقامها الإحتلال ( الاستعمار ) قبل رحيله عن بلادنا , وفصلها عن جسد الأمة , وبعد أن زرع فى أبنائها العصبية لها وحدها قبل أن يتركها , كأن لسان حالهم يقول :

( إن هذا البطل الزعيم قد حرر أو ساهم فى تحرير بلدى , ودعا إلى مبدأٍ سامٍ وشعاراتٍ عظيمةٍ مُلهمة , إنها القومية العربية , ولكن بلا هوية إسلامية , فلتحيا بلدى وحدها , ولنعمل - أنا وأهل بلدى - على أن نهنأ فيها برغد العيش وحدنا , أما القدس فلا تعنينى , فهى والحمد لله بعيدةٌ عن بلدى , وليتولى أمرها من يعيشون فيها أو حولها , وبالتأكيد سأظل متعاطفاً معهم , أدعوا لهم وأحزن على حالهم .. ولكن من بعيد , فهذا هو قَدَرُهُم ولا ذنب لى فى ذلك , وسأظل مُخلصاً فى ذلك إلى أن يأتى أمر الله , فالقدس ليست جزءً من أرضى التى تركها لى المُحتلون قبل أن يغادروا بلادى ).

وقد وصف د. طارق السويدان - فى برنامجه المتميز رياح التغيير - نكسة 1967 ولحظة سقوط القدس فى أيدى الإسرائيليين بالنكبة , وبأنها أدنى النقاط التى وصلت إليها الأمة على مدار تاريخها الطويل , وذلك فى تحليله لمراحل انحدار حضارتها.

* فعجباً لأناسٍ يُخَلدون من أضاع قُدْسَهُم , ويُخَوِّنون من حارب وانتصر من أجل تحريرها.

أليس فى هذا ما يستحق التوقف عنده لتحليله والتفكير فيه بعمقٍ بعيدٍ عن السطحية أو التخوين المتسرع ؟

(ولا تحسبن الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتا , بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون)
لوحة جدارية تظهر بها ساعة الصفر فى حرب أكتوبر فى الثانية من ظهيرة يوم السادس من أكتوبر

ولننهى مقالنا بما بدأناه به ..

فقدان الكرامة ليس بفقدان أرضك , وإنما بأن تقبل بفقدان أرضك.

إذا فقد الإنسانُ الأرضَ والكرامةَ معاً فى ذات الوقت .. فهل ترونه يستحق الحياة ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه