الخميس، 10 نوفمبر 2011

تحديات تسويقية ج3

عدم وعى التاجر بمتطلبات السوق
وافتقاده لثقافة المُستهلك

أدركت حينها أن الأطفال لن يستطيعوا مقاومتها - مثلى - عندما يرونها , ومما زاد اهتمامى بها .. أن الكمية المتاحة منها كانت محدودة , لذا فقد قررت شراء كميةٍ منها للنزول بها فى أحد مواسم الأعياد , فهى فرصةٌ كبيرة لتحقيق ربحٍ جيد , كنت فى أشد الحاجة إليه كصاحب مشروعٍ صغير .. عليه من التكاليف الكثير... 

لقد كانت نوعاً من أنواع لعب الأطفال ذات الشكل والأداء الجذاب , فقد أعجبتنى كثيراً عندما رأيتها عند مُستوردها , وكانت لعبة جديدة على السوق المصرى بشكلٍ عام والسوق المحلى - فى بلدى أسيوط - بشكلٍ خاص , هذا بالإضافة إلى نوعٍ جديدٍ أيضاً من الإكسسوارات الحريمى كثيفة الطلب فى مثل هذه المواسم.

لذا .. فقد كنْتُ التاجر الوحيد الذى أنزل تلك الأنواع الجديدة فى أسواق المحافظة كلها على الرغم من كونى - فى ذلك الوقت - واحداً من أحدث وأصغر التجار الذين يعملون فى هذا المجال , وكانت سعادتى غامرة عندما وصلت البضاعة إلى مخازنى , وظننت أن الفرصة قد حانت لعمل أرضيةٍ قوية لدى كبار التجار وكسب ثقتهم ..

ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه ..

لم أجد تاجراً واحداً يرغب فى شراء بضاعتى أو حتى مُقتنعاً بها , وكلما حاولت إقناع أحدهم بها وبأنها ستنال إعجاب الناس عند عرضها , أخرج لى نوعاً آخر كان منتشراً ومطلوباً وقال لى : ( الزبون يريد مثل هذه , وفى حال إحضارك مثلها فسأشترى منك فوراً ).

أصابنى ذلك بإحباطٍ شديد على عكس ما كنت أتوقع , كما تشككت فى مدى تقديرى لاحتياجات المستهك , وما إذا كنت أملك القدرة على استيعاب ثقافة وذوق المستهلك وتوفير السلع التى ستعجبه , ولم أتأكد من صحة تقديرى إلا بعدما عرضت تلك السلعة على أقاربى وأصدقائى ووجدت منهم إعجاباً شديداً بها ( دراسة احتياجات السوق ) , حتى أن عدداً منهم قام بشرائها منى فعلاً.

وهنا أدركت الحقيقة الغائبة و الدرس الأول , إن هؤلاء التجار هم الحائل بينى وبين المستهلك , أو بتعبيرٍ أدق .. هم ( الحائل بين المستهلك وبين  سلعتى المتميزة ) , وأن ذلك الحبيب البعيد - المستهلك - حتماً سيشترى السلعة إذا رآها معروضة ( بشرط أن تكون متميزة ) , ولا بد أن أجد طريقةً ما لإزاحة هذا الحائل بيننا والوصول إليه.   

تلاعبت المخاوف برأسى , فمعنى عدم قدرتى على تصريف هذه البضاعة خلال موسم العيد , أنى سأجد صعوبةً بالغة فى تصريفها بعد انتهائه , كما أن رأس المال الذى أعمل به صغير , والسيولة المالية المتوفرة ليست بالكافية لمواجهة هذا الموقف , فهى لن تُسعفنى بالقدر اللازم من أجل استمرار العمل بكفاءة - من حيث تغطية بعض المصروفات الثابتة بجانب شراء بضائع جديدة.  

جلست أفكر فى هدوء .. عَلِّى أصل إلى حلٍ لهذه المشكلة , فهدانى ربى إلى فكرة عقد اتفاق مع بعض التجار ذوى السمعة الطيبة - حيث أن الأمر فيه مخاطرة - وهى أن يقوموا بعرض بضاعتى بمحلاتهم بدون أن يدفعوا شيئاً على الإطلاق ( بضاعة أمانة ) ولا يحاسبونى إلا على ثمن ما يتم بيعه فقط , وبعد انتهاء الموسم يردوا إلىَّ ما تبقى لديهم من البضاعة.

كان الأعجب - بالنسبة إلى خبرتى فى ذلك الوقت - أن وافق جميع التجار الذين عرضت عليهم هذا العرض بدون استثناء , فكما يقول المثل العامى ( أبو بلاش كَتَّر منه ) , إنتبه ! إنه الدرس الثانى , فالعروض المجانية من طرق التحفيز الهامة للتاجر - وكذلك للمستهلك النهائى - على الشراء.

بتوليفةٍ سحريةٍ متميزةٍ تكونت من توفيق الله أولاً , ثم الأخذ بالأسباب ثانياً , الإجتهاد ثالثاً , وأخيراً الإصرار على النجاح رابعاً .. تم بيع جميع البضاعة الموجودة من تلك البضاعة , بل إن هؤلاء التجار طلبوا منها المزيد - حتى بعد العيد - نظراً لإقبال حبيبى المستهلك عليها , فهو من أفهمه وأسعى لإرضائه , وهو بدوره يشعر بى ويقبل على بضاعتى.

وقد خرجت أيضاً من هذا الموقف بمكسبٍ كبير - هو الأهم على المدى البعيد - وهو علاقاتٍ متينةٍ بالعديد من التجار .. تجار الجملة ومحلات التجزئة الكبرى فى محافظات وسط الصعيد ( المنيا - أسيوط - سوهاج ) , حيث اكتسبت ثقتهم , وهو ما ظهر من تقبلهم وإقبالهم على ما عرضته عليهم من بضائع فيما بعد .. حتى وإن كانت جديدة على السوق.

وأما الدرس الثالث الذى تعلمته من هذا الموقف .. أن أضع جميع الإحتمالات نُصبَ عينىَّ وألا أُفرِطَ فى التفاؤل ( التوازن ).

وتلك كانت قصة التحدى التسويقى الثالث الذى واجهنى , إنه عدم وعى التاجر بمتطلبات السوق وافتقاده لثقافة المُستهلك , والذى وفقنى الله بفضله فى التغلب عليه.

وبالطبع .. ليست هذه الوسائل ( الدروس ) الثلاثة هى كل ما يمكن أن تواجه به هذا التحدى , فهناك وسائل أخرى ستتعرف عليها - بتوفيق الله - إذا كنت من المتابعين للمدونة.

هناك 15 تعليقًا:

  1. صديقي أنا تاجر بشركاء أقوم بجلب مواد كهربائية وإلكترونية من الصين ومن تركيا لاكن عمرنا ما اكلنا هم تصير البضاعة لماذا لعدة اسباب
    اهمها موزع ماهر ومميز وملسن اي طري اللسان
    له قبول وحضور بين الجمهور
    كذالك الإدارة يجب ان تكون واعية بمجتمعها ومتطلباته هل تعلم بان بعض التجار يستخدمون المواقع الاجتماعية لرصد متللبات مجتماعاته
    -------------------------------------
    وكما نعلم جميعا لا يمكن الصعود للعلي الا بصعود السلم درجة درجة

    ردحذف
  2. شكرًا على المعلوامت القيمة ...

    تحيآتي لك ...

    ردحذف
  3. بارك الله فيك : أ/ محمد نبيل
    وأحييك على هذا الجهد الطيب والقيم
    نفع الله به وجعله فى موازين حسناتك
    بارك الله فيك وجهدك الطيب

    ردحذف
  4. صحيح أخى وسيم ..

    إن مهارة البائع مهمة جداً بجانب ضرورة أن تكون الإدارة واعية بمجتمعها ومتطلباته بالإضافة إلى أهمية الإستعانة بوسائل التكنولوجيا الحديثة واستخدام المواقع الإجتماعية كما ذكرت , ولكن ..

    كنت شريكاً لأحد المستوردين فى منطقة الموسكى الشهيرة بالقاهرة عندما حدثت لى هذه القصة فى عام 2001 - أى فى فترة لم تكن فيها وسائل التكنولوجيا متاحة أو منتشرة كما هى الآن , علماً بأن معظم التجار فى بلادنا لا يزالوا حتى الآن إما أنهم يجهلون استخدامها أصلاً أو أنهم لا يدركون مدى أهميتها فى دراسة السوق أو يقللون من درجة الفائدة التى ستعود عليهم من استخدامها ..

    وقد إكتشفت حينها أن المشكلة كثيراً ما تكمن فى عدم تقبل التجار للمنتج الجديد أو فكرته الجديدة على السوق بسهولة , خاصةً فى الأقاليم والمناطق البعيدة عن العاصمة , حيث يفتقد الكثيرون منهم إلى روح المغامرة أو تجربة الجديد ويفضلون الإنتظار لما ستسفر عنه عملية الحراك السوقى للمنتج الجديد , وبخاصةٍ مدى نجاح وانتشار المنتج فى العاصمة أو المدن الكبرى , وهم بذلك مقلدون ..

    وقد فاجئتهم فى ذلك الوقت بمنتجات جديدة ذات أفكارٍ جديدةٍ جعلتهم - وفقاً لطريقة تفكيرهم - لا يبادرون بشرائها لأنهم يتشككون فى مدى تقبل زبائنهم لها , وبالأخص فى فى ظل فرصة موسم عيدٍ قصير نسبياً , يسعون فيه إلى تحقيق أكبر نسبة ربحٍ ممكنة دون الإستعداد لتحمل مخاطر تجربة منتج جديد قد يُحيل مكاسبهم المتوقعة إلى خسارةٍ محققة ..

    وهو ما دعانى إلى دراسة الأمر وتحليله لإيجاد حلولٍ للتغلب على مثل هذه المواقف ..

    وهو ما سأكمله وأوضحه بتفصيلٍ أكبر بعون الله فى مقالاتٍ قادمة.

    أخى .. لقد جعلتنى- بتعليقك المُثمر - أكتب المزيد ..

    فجزاك الله كل الخير على هذه المشاركة المتميزة.

    ردحذف
  5. إنه واجبٌ على كل مسلمٍ يعرف ويفهم دينه بحق ألا يكتم علماً علمه الله إياه , فينفع الله به ولو إنساناً واحداً فى أى مكانٍ على وجه هذه الأرض التى نحن مأمورون بتعميرها.

    فلا شكر على واجب أختى dodo.

    ردحذف
  6. أشكر لك إهتمامك المخلص ومتابعتك أخى أ/ محمد الجرايحى.

    بارك الله فيك.

    ردحذف
  7. بسم الله ماشاء الله لاقوة إلابالله ، المقال حقاً مميز وهادف فى نفس الوقت دائما مااستمتع عندما أقرأ مقالاتك ياأخى محمد فى انتظار الموضوع القادم بإذن الله .

    ردحذف
  8. أتمنى على الله أن يكون ما أقدمه بالفعل مفيداً وممتعاً فى ذات الوقت لكل من يقرأه.

    أشكر لك أخى/ مصطفى محمود مرورك الكريم.

    ردحذف
  9. عرض المشكلة بطريقة علمية ولكن بشكل جذاب جدا
    اعتزم متابعة الجزئين السابقين
    بالتوفيق

    ردحذف
  10. سعدت كثيراً بزيارتك أختى الكريمة آخر العنقود , وشرفت بمتابعتك للمدونة.

    ردحذف
  11. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  12. السلام عليكم ...
    حسنًا في المرة السابقة للأسف لم أكن املك من الوقت
    الكثير لأكمل الموضوع ..
    و لذلكَ فقد عدت مجددًا لأقرأه من جديد ...
    و قد فاق تصوري روعته و كيفية سوقكَ للأمور
    بطريقة رآئعة ، تجمع بين المعلومة و الإثارة و التشويق

    و بالطبع فهذا معيق ، و قد نظرت له من وجهة أنه مخاطرة
    و أن التجار يرفضون المخاطرة في عملهم فهم يسعون للربح دون مخاطرة ...

    لكَ مني كل الاحترام و الدعوات بالتوفيق ...

    بانتظار المزيد ...

    تحيآتي لكْ ...

    ردحذف
  13. إن هذا التحدى لا يزال موجوداً بنسبةٍ كبيرةٍ فى التسويق التقليدى الذى مازال يعتمد عليه معظم التجار فى الأسواق المحلية العربية ..

    وهو بالطبع أقل كثيراً فى مجال التسويق الإلكترونى .. حيث المستقبل.

    شكراً dodo على متابعتك واهتمامك , ويارب يكون فى هذا المقال ما أفادك حقاً.

    ردحذف
  14. عزيزى أشكرك جدا على هذا الدرس التسويقى فكلنا يجب أن نتعلم التسويق و لو لم نعمل بالتجارة فكل منا يسوق نفسه لمن يعمل معهم و لمن يتعامل معهم و لمن يحبهم و يحبونه
    لو كانت اللعبة التى تقصدها هى المنشور صورتها فهى لعبة رائعة اشتيت مثلها لإبنى الأصغر الذى يحبها كثيرا و لا زال يلعب بها رغم أنه كبر عليها قليلا
    تحياتى لك

    ردحذف
  15. نعم سيدتى ..

    فقد أصبح التسويق أحد أهم فنون التعامل مع الآخرين , وهو مما نفتقد حسن استخدام أدواته فى تسويق أنفسنا كعرب وكمسلمين.

    سيدتى الفاضلة شهرزاد المصرية ..

    بارك الله لك فى أولادك وأسعدك بهم فى الدنيا والآخرة , أما بالنسبة للعبة التى فى الصورة فهى مجرد صورةٍ رمزية.

    لقد أسعدنى مرورك كثيراً وازددت شرفاً بتعليقك , الذى أرجو ألا تحرمينا منه.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه