الجمعة، 4 نوفمبر 2011

كيف تكسب الناس ؟

كيف تأسر قلب شخصٍ لا تعرفه
فتربى به إبنك
 وتتقرب بهما إلى الله ؟
الإسلام والحياة

لم يكن ما فعلته محاولة لمجرد كسب قلب الرجل ولم أحاول نفاقه على الإطلاق .. فليس بينى وبينه أية علاقةٍ أو سابق معرفةٍ على الإطلاق , وإنما فقط .. كنت أسعى لكسر حدة غضبه علىّ واسترضائه بعدما استثارته حركات " إبنى يوسف " بشدة ...

ففى ذات مرةٍ من رمضان قبل الماضى .. اصطحبت إبنى يوسف إلى المسجد لصلاة العشاء ثم التراويح , وكان إبن خمس سنوات فى ذلك الوقت , وهو سنٌ مناسبٌ لتحبيبه فى الصلاة وتعويده على مشاهدة ومراقبة المصلين , فيكون ذلك داعياً له على تقليدهم , حتى إذا ما أصبح واعياً وحان سنُّ أمره بالصلاة .. كان من السهل أن يتقبل الأمر بحبٍ وترحاب.

كان يوسف مُركزاً فى الصلاة ومتابعاً لحركات المصلين فى بداية الأمر حتى انتهينا من صلاة العشاء , وبعد انتهاء الركعتين الأُوْلَتَيْن من صلاة التراويح .. خرج عددٌ كبيرٌ من المصلين من المسجد , مما ترك مساحةً خاليةً لا بأس بها ليلعب فيها الصبيان ويروحون ذهاباً وإيابا.


وكان من الطبيعى لمن فى مثل سن يوسف أن َيمَلَّوا سريعاً من طول فترة الصلاة , لذا فقد بدأ يتشتت عن الصلاة تماماً , وجاء لعب الصبية على هواه , فأخذ فى البداية يراقبهم من بعيد دون أن يحاول الابتعاد عنى , ثم ابتعد عنى ليلقى عليهم نظرةً عن قرب , ثم عاد إلى جانبى مرةً أخرى , ولكن فى هذه المرة أخذ يؤدى بعض الحركات الرياضية البسيطة التى تعلمها فى المدرسة , وبدأ اللعب على طريقته الخاصة مع فاصلٍ مُتقطعٍ من الأصوات , مما أشعرنى بالضيق والحرج الشديدين ,  خاصةً وأنا أتخيل شعور المصلين من حولى بالانزعاج وتشتت أذهانهم عن الصلاة.

وعندها قررت فى نفسى - وأنا لا زلت أصلى - أن تكون هاتان الركعتان هما آخر ما سأصليه فى المسجد , على أن أصلى ما تيسر بعد ذلك عندما أعود إلى البيت.

ولكن عندما سَلَّمَ الإمام .. فإذا بالشخص الذى كان يصلى عن يمينى - وكان رجلاً مُسناً - يبادرنى بفاصلٍ من التوبيخ بصوتٍ عالٍ ونبرةٍ شديدة الحدة قائلاً : ( إنت سايب لنا ابنك يلعب ثنى/مد فى وسط الناس اللى بتصلى , إيه .. هو فاكر نفسه فى حصة ألعاب ؟ ) , مما تسبب لى فى المزيد من الإحراج والخجل بين جموع المصلين الذين التفتوا نحونا دون أن ينطق أحدهم ولو بكلمةٍ للدفاع عنى , وهو ما يعنى تكاتفهم الضمنى مع ذلك الرجل.

فحاولت جداله قائلاً : ( لقد كان الحسن والحسين عليهما السلام .....) فقاطعنى بقوله : ( هو أنت هاتقارن ابنك بالحسن والحسين , إيش جاب لجاب ؟ ) , عندها أدركت أن الجدال لن يجدى .. فتوقفت عنه وانسحبت فى هدوء.

أخذت يوسف إلى أحد جوانب المسجد وأسندت ظهرى إلى الجدار وأنا فى غاية الضيق من أسلوب الرجل معى وعدم استطاعتى الرد عليه , وفكرت بهدوء .. إن المسجد ليس ساحة قتال , كما لا يجوز رفع الصوت فى المسجد , ونحن فى شهر الفضل والرحمات والطمع فى عفو الله , وحدثت نفسى بأنى إن كنت حقاً أرجو عفو الله .. فلا بد أن أعفو عن هذا الرجل.

وعندها تذكرت قوله تعالى : ( والكاظمين الغيظ , والعافين عن الناس , والله يحب المحسنين ) , فقلت لنفسى : ( ما الذى يمنعك من أن تبادرى بالإحسان .. فتنالى حب الله .. فتحوزى أعلى الدرجات ؟ ) , وبالفعل قررت أن أنتظر ذلك الرجل حتى يفرغ من صلاته , وأعتذر له.

وانتهت الصلاة , فتوجهت صوب الرجل , وإذ بيوسف يفاجئنى - ويسعدنى فى ذات الوقت - بقوله : ( يا بابا ما تعتذرش .. لأنك ما عملتش حاجة .. أنا اللى مفروض أعتذر .. عشان أنا اللى غلطان ) , فاحتضنته بشدة لسعادتى بإدراكه لخطأه ( رغم أنه مرفوعٌ عنه القلم ) , وقلت لنفسى مرة أخرى : ( لو لم أخرج من هذا الموقف إلا بهذا الدرس الذى تعلمه إبنى .. لكفى ) , وهنا تبادرت إلى نفسى نيةٌ أخرى , وهى أن أعلم إبنى : أن من أخطأ فلا بد أن يعتذر عن خطأه و كيف يكون هذا الإعتذار و أسلوب الإعتذار اللائق المتوازن .. بدون تعالى و بدون مذلة.

توجهت إلى الرجل وأنا أمد إليه يدى - وهو يرانى من مسافة - مبادراً بالمصافحة لسببين : الأول لقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ) رواه أبو داود , والثانى أن أُظهر له مشاعر الود وحسن النية فتمحو بعض ما فى قلبه من ضيق قبل أن أصل إليه , وأرفقت ذلك بابتسامة تُزيل ما تبقى من الحواجز.


- ثم بادرته بقولى : ( لقد أتيناك أنا ويوسف لنعتذر عمَّا بدر منَّا أثناء الصلاة , وأنت كوالدنا , فاقبل اعتذارنا ).

- فقال وهو يصافحنى ويبادلنى الإبتسام : ( أبداً .. لاعليك .. لم يحدث شىء ) ثم صافح يوسف بحبٍ وود.

- قلت له : ( بالتأكيد .. حضرتك تعلم أكثر منى )

 أردت بقولى هذا شيئين وهما : أن يشعر بتقديرى واحترامى له وتوقيرى لسِنَّه , وأن أُجبره - بأدب - على الاستماع إلى ما سأقوله.

وأتبعت ذلك بقولى : ( وأكيد تعلم أن الحسن والحسين رضى الله عنهما كانا ..... ).

- فقاطعنى قائلاً : ( نعم كانا يمتطيان ظهر الرسول عليه الصلاة والسلام أثناء الصلاة فيتركهما ولا ينهرهما ).

- قلت : ( نعم .. صدقت , وهناك - إذا سمحت لى - قصةٌ أخرى  .. أكيد حضرتك تعرفها أيضاً ).

- قال : ( تفضل )

- قلت : ( ورد فى صحيح الحديث أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كان يخطب ذات يوم فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ، ثم قال : (صدق الله ورسوله : إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة ، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ) ثم أكمل خطبته , هذا رغم علمنا بأن الشائع بيننا أن قطع الخطبة من الأمور التى لا تجوز).

- فقال بتأثرٍ شديد : ( جزاك الله خيراً , أنت أفضل منى , لقد أتيتنى مصافحاً معتذراً رغم أنى أسأت إليك , ثم علمتنى حديثاً لم أكن أعلمه من قبل , فأرجو أن تسامحنى على إساءتى وعُلوِ صوتى ).

وهنا تبدل الأمر تماماً , وأخذ الرجل يدعو لى ولإبنى يوسف وهو يضُمُّه إليه ويُقَبِّله.

وصدق الله العظيم إذ يقول : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ , ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَـــكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ , وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا , وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ).

لقد كسبت من هذا الموقف مكاسب جَمَّة لعل أهمها :

  • كسبت علاقةً قويةً بإنسانٍ لم أكن أعرفه من قبل.
  • جعلنى الله سبباً فى معرفة إنسانٍ مسلمٍ لحديثٍ نبوى لم يكن يعرفه من قبل , وكذلك تذكيره بالهدى النبوى فى التعامل مع الأطفال عموماً , وفى المساجد خصوصاً.
  • كسبت إبنى , فقد غرس فيه هذا الموقف أخلاقيات وسلوكيات إسلامية أصيلة راقية ستظل محفورةً فى عقله وقلبه.
  • كسبت نفسى , بالقدرة على التحكم فى مشاعرى وعدم الانتقام لنفسى , واتباع سنة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بمقابلة الإساءة بالإحسان.
  • وقبل كل هذا وبعده , كسبت رضا ربى سبحانه وتعالى , وهذا هو الأهم. 

وخلاصة القول أنه ..
إذا أردت حقاً أن تحوز رضا الله وتكسب قلوب الناس .. فما عليك إلا أن تتجنب الجدال , وإن كان لا بد منه .. فليكن بالتى هى أحسن , وتحلى بالحلم واللين , وتزين بالحكمة والمنطق , ثم أَتْبِع كل ذلك بالكلمة الطيبة , وإن واجهك موقفٌ ما .. فاستطعت أن تجمع كل ما فيه من الخير بنيةٍ واحدةٍ خالصة .. فافعل , ولا تبخل بالخير على نفسك 

هناك 16 تعليقًا:

  1. السلام عليكم و رحمة الله
    صلى الله على محمد صلى الله عليه و سلم ، ما شاء الله أحسنت التصرف في هذا الموقف أ/محمد و الدروس المستفادة منه كبيرة بالرغم من علمنا بها إلا أن تطبيقها يرسخها فى اذهاننا ، جزاك الله خيراً و بارك الله لك في "يوسف " ، أشكرك جداً.

    ردحذف
  2. التوفيق دائما يكون من عند الله سبحانه وتعالى , لذا أحمد الله على أن عرضنى لهذا الموقف , فوفقنى بفضله لذلك التصرف , وعلمنى منه الكثير.

    أشكرك وجزاك الله خيراً أختى ريهام على دعائك الجميل.

    ردحذف
  3. موقف جميل أعطانا حكم جمة
    ولكن قلائل هم من يستطيعون التعامل مع الامور بحكمة خاصة في لحظات الغضب...
    زادك الله حكمة وصبراً ولطفا بالمسلمين
    وأبقى لك يوسف ذخرا لدينه واهله ووطنه

    تحيتي لنبع إيمانك
    ووكل عام وأنت بكل خير

    ردحذف
  4. نُصيب ونُحسن التصرف فى بعض المواقف , وقد نسىء التصرف فى مواقف أخرى , فهذه طبائع البشر ..
    لذا لا بد من الحرص على أن نسأل الله أن يلهمنا الصواب وأن يوفقنا إليه.

    أختى زينة .. كل عامٍ وأنت وكل أهلنا فى فلسطين الحبيبة بخير.

    ردحذف
  5. السلام عليكم

    من الجمال ان نجد مدونين سخّروا طاقاتهم للبحث في ما ينفع

    اهل هذه الامّة و يرتقي بفكرهم .

    شكرا لهذا المجهود الطيّب

    لك اعجابي و متابعتي


    منجي باكير

    ردحذف
  6. صباح العيد والفرح نبيل

    كل عام وأنت بخير

    واسأل الله العظيم أن يعيده عليك وعلى جميع عائلتك

    وأنت بتمام الصحة والعافية ..

    بارك الله فيك وجزاك خيراً فلو أننا جميعاً تعاملنا

    بمثل ما تعملت به لوجدنا مجتمع إسلامي مختلف تماماً

    كما أرداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

    تحياتي وإحترامي

    ردحذف
  7. إنه الواجب على كل مسلم أن يسخّر طاقاته للبحث في ما ينفع اهل هذه الامّة ليرتقي بفكرهم , ومن باب أولى .. فهو واجبٌ على المدونين وأمانةٌ فى أعناقهم عليهم أداءها.

    أخى الكريم منجى ..

    أشكر لك كثيراً كلماتك الطيبة ومتابعتك.

    ردحذف
  8. كلنا يحلم بالمجتمع الإسلامي الراقى الذى أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو ما ينبغى أن نتعاون من أجل تحقيقه , ولو بالكلمة الطيبة.

    أخى ريبال ..

    أشكر لك زيارتك الكريمة , وكل عامٍ وأنت بكل خير.

    ردحذف
  9. فعلا و الله موقف رائع لازم نتعلم كلنا منه ..ازاى اتحول الحال من موقف اشبه بالعدائي الى مثل هذه المودة..لو كل واحد وقف عن عناده و تمسكه بموقفه حتى لو كان خاطئ سنخسر الكثير ..

    تسلم أخى على هذا الموقف الطيب و جزاك الله كل خير لنقله الينا لنتعلم منه

    دمت بخير و لك تحياتي و ربنا يبارك لك فى ابنك و يكون كما يحب ربنا و يرضى

    كل عام و انت بخير

    ردحذف
  10. إن مثل هذه المواقف تواجهنا جميعاً من حينٍ إلى آخر , وقد لا يكون تصرفى أو رد فعلى بمثل هذا الرقى فى مواقف أخرى , ولكنه تجربة تعلمت منها يقيناً أن القلب أسير الإحسان ..

    وهو ما أحاول جاهداً أن يكون سلوكى الشخصى وكل المسلمين فى جميع أحوالنا.

    سعدت كثيراً بزيارتك وتعليقك أختى EMA

    وكل سنة وأنت وكل أمتنا طيبين.

    ردحذف
  11. بسم الله ما شاء الله قصة رائعة ومعبرة وذات مغزى مفيد نفع الله بها جميع المسلمين وأثابك الثواب العظيم القصة مفيدة جدا ولاكن ليشهد الله بأنها طبعت قي قلبي هل تعرف لماذا ؟ لأجل ان اسم حبيبي ذكر بها الا وهو يوسف عليه السلام فأنا أموت في هوى يوسف عليه مني المحبة والسلام وإني لأسئل الله ان اكون رفيقه وصديقه وخليله في الجنة وكذا سيدنا وحبيبنا محمد جمعني الله بهم جميعا في الدنيا والآخرة إياكم على خير اللهم آمين
    -----------------------------------
    سعد أخي بزيارتك الجميلة لمدونتي الصغيرة :بالنسبة لتعليقك بما خص سيرتي الشخصية فأتمنا على حضرتك مراجعة المقال مرتا اخرى ولاكن قبل ان تراجع المقال أجيبك هنا ..بأني مقتنع ومدك جيدا بأن الأتراك لم يدخلو بلادنا محتلين بل دخلوها حفاظا على الهوية الإسلامية ..لذالك أتمنى تفهم الامر فأعز الناس لدي ما زالو في كبد في سورية فرج الله عنهم وعنا وعن جميع المسلمين اللهم آمين

    ردحذف
  12. أسأل الله أن يجمعنى وإياك بسيدنا يوسف بصحبة خير الخلق صلى الله عليه وسلم فى الفردوس الأعلى من الجنة.

    اللهم فرج كرب إخوتنا فى سوريا , وثبتهم وانصرهم على من طغى وتجبر , واجمع اللهم شمل أمتنا على كلمةٍ سواء.

    بارك الله فيك أخى وسيم.

    ردحذف
  13. اخي العزيز محمد نبيل ..سعدت جدا بم قرأته من بين السطور ..واعجبني تربيتك ليوسف ومقابلتك الإساءة بالحسنة فأثابك الله برضاه وحب الناس لك وهي في حد ذاتها من أكبر النعم ...اللهم اهدنا وإياك سواء السبيل ..واكثر الله من أمثالك ...تحياتي وشكري .زينب صادق مدونة اتمشى بين ضلوعي

    ردحذف
  14. كلنا مر بالعديد من تجارب حياته الخاصة والتى تحوى الكثير مما يمكن أن يعطيه كلٌ منا للآخر ..

    فنجمع إلى حياتنا بعضاً من حياة الآخرين , فنضيف إلى أعمارنا أعماراً.

    أختى العزيزة زينب صادق ..

    كم أسعدنى مرورك الكريم على مدونتى المتواضعة ..

    أرجو ألا تحرمينا من زياراتك وتعليقاتك القيمة.

    ردحذف
  15. السلام عليكم
    ما شاء الله احسنت التصرف و بسرعة و جمعت فيه خيرا كثيرا و ساعدك ابنك فيه هذا من فضل الله المقال تعلمت منه ودروسة مفيدة جزاك الله خيرا و بارك الله في ابنك يوسف ما شاء الله

    ردحذف
  16. أحمد الله أن ألهمنى وهدانى ووفقنى إلى هذا التصرف , فهذا من فضل الله أولاً وآخراً.
    أشكرك أختى هالة وربنا يبارك فيكى.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه