الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

التفكُّرُ عبادة .. فهل تفعلها ؟

وقفةٌ لإعمالِ العَقْل
تأملات فلسفية
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) من الآية 44 سورة الإسراء

عندما نتأمل بديع خلق الله على امتداد هذا الكون الفسيح الهائل وما خلق الله فيه من كائناتٍ متنوعةٍ لا نستطيع حصرها .. نجد منها ما هو مألوفٌ لدينا .. فى ذات الوقت الذى نجد فيه أشياء عجيبة غير مألوفة قد يستعصى على عقولنا فهمها فى كثيرٍ من الأحيان على الرغم من إدراكنا بأن لخلقها حكمةٌ أرادها خالقها .. لا يعلمها سواه.

منها ما يكون النظر إليه مُحَبَّباً إلى العين مُدخِلاً للسرور والانشراح إلى النفس ..



ومنها ما إن نظرنا إليه .. فلا نكاد أن نُبعد عنه أعيننا من فرط الدهشة من عجيب الخلقة.

 


" رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ "من آية 191- سورة آل عمران

وعلى الرغم من أهمية وضرورة التَفَكُّر الدائم فى الكون وفى أنفسنا وفى كل ما يدور حولنا - فضلاً عن كون ذلك عبادة - إلا أننا كثيراً ما نغفل عن عبادة التفكر لفتراتٍ زمنيةٍ طويلة , والبعض يعيشون ويموتون ولا يؤدوا هذه العبادة الراقية ولو لمرةٍ واحدةٍ طيلة حياتهم.

قد يكون ذلك بسبب انشغالنا بشئون حياتنا ومغرياتها ومتطلباتها التى لا تنتهى , ولن تنتهى ما دامت الحياة ..

والأمر لا يتوقف لدى المتفكرين وأصحاب البصائر عند حد النظر والتأمل , وإنما يُمثلُ لهمُ الكونُ دعوةً مفتوحةً من خالقهم العظيم إلى إعمال العقل بجانب التأمل ليزدادوا إيماناً ويقيناً بوجود الله و بقدرته المطلقة التى جعلت كل شىءٍ فى كونه يعمل بحسبانٍ دقيقٍ للغاية لا يخطىء , مع احتفاظه أيضاً - سبحانه - بقدرته المطلقة فى كسر أىٍ من القواعد التى وضعها فى أى وقتٍ يشاء .. لحكمةٍ قد نستطيع التوصل إليها بأنفسنا , وقد يكتشفها من يأتون بعدنا , وقد نحيا ونموت جميعاً ولا نستطيع فهم تلك الحكمة .. سوى أنه على الأقل , وفى كل الأحوال , دليلٌ على قدرة الله وعظمته.


سبحانه وتعالى .. هو وحده الملجأُ لمن لا نصيرَ له , والملاذُ لمن لا مأوى له.

هذا .. وقد شَرَّفَ الله هؤلاء المتفكرين المتأملين الذين يُعْمِلون عقولهم فى إبداعات الكون الذى أبدعه المُبدع .. بأن سماههم " أولو الألباب " فى قوله تعالى : " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب , الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض "آية 190,191- سورة آل عمران.

إنها بداية الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران والتى بكى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عندما نزل الوحى بها عليه , وقد قال عليه الصلاة والسلام مُحذراً من لم يتفكر فيها : ( ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها ).

والمُتفكِّرُ المُتأمِّلُ فى هذه الآيات الكريمة يلحظ بوضوحٍ كيف أنه تعالى قَصَرَ هذه الصفة الرائعة وهذا الاسم الراقى فقط على من " يذكرون الله " و" يتفكرون " , فلم يقل سبحانهُ أنهم " أولى ألباب " وإنما قال " أولى ال ألباب " , فهؤلاء هم أولى الألباب حقاً , وبهذا .. فإن مَنْ لا يتفكر فهو بالتأكيد خارج هذا التصنيف الربانى .. فإلى أى الفريقين تحب أن تنتمى ؟ ... الاختيار لك !

وهنا .. علينا التوقف قليلاً .. لنعيد نظرتنا إلى الكون من جديدٍ وبمنظورٍ مختلف عما تعودناه فيما مضى من أعمارنا.

ومن منظورٍ آخر .. وعندما نتدبرُ قولَ ربنا سبحانه وتعالى : ( هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ) الآية 29- سورة البقرة .. نعلمُ أنه سبحانه قد أوجد كل مخلوقاته وآياته فى الكون - وفى الأرض على وجه التحديد - من أجلنا نحن البشر ومن أجل استمرار حياتنا واستقرارها على هذه الأرض , لذا فلا يصح لنا أبداً أن نتشبه بتلك المخلوقات فى معيشتها , أو تلك الأشياء فى وجودها .. والتى أوجدها الله بلا فكرٍ أو هدفٍ أو غايةٍ بعدما عرض الله عليها الأمانة فأبت , وحملها الإنسان ( إغتراراً بعقله الذى عطل استخدامه فى عبادة التفكر ).

ويبدو لى هنا سؤالٌ فى غاية الأهمية , أعتقد أنه لا بد أن يسأله كلٌ منّا لنفسه ويُمعن التفكير فيه , وهو : " بما أن الله قد خلق الكائنات جميعاً ليؤدى كلُ واحدٍ منهم دوره الذى رسمه له - فى دورة حياته الدنيوية المحدودة - من أجل خدمتى - أنا الإنسان - , فما هى الحكمة التى أوجدنى الله - أنا بالذات - فى هذه الدنيا من أجلها , وما هو الدور الذى أراد الله أن يستخدمنى للقيام به فى هذه الحياة ؟ ".

وهنا وقفةٌ أخرى لا بُدَّ منها .. حيث ينبغى أن تكون لديك إجابة واضحة إذا أردت النجاةَ بنفسك من دائرة الأغلبية التى
وصفها الله تعالى فى القرآن الكريم بقوله : ( أم تَحْسَبُ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون , إنْ هم إلا كلأنعام , بل هم أضلُ سبيلا ) آية رقم 44-سورة الفرقان.

وللأسف .. فالكثير من بنى الإنسان قد ساءت أحوالهم إلى أن صاروا يستحقون هذا الوصف الربانى المُفْزِعُ المَقيت , فأصبح الكثيرون يأكلون ويشربون ويلهون بما يريدن كيفما شاءوا , وكأن هذا هو الغرض من الحياة , وكأنهم قد خُلقوا من أجل ذلك , فضلُّوا الطريق وأضلُّوا غيرهم عنه , رغم أن الله سبحانه وتعالى قال أيضاً فى كتابه العزيز : ( ولقد كرمنا بنى آدم ) من الآية 70- سورة الإسراء.

ومن أعظم ما كرَّمَنَا الله به على بقية خلقه .. هو نعمة العقل , أى القدرة على تقدير الأمور من خلال إعمال العقل بالتفكير والتفكر , ومنه انبثقت الأمانة التى حَمَّلَنا ربُّنا إياها حين أخذ علينا العهد من لدن أبينا آدم .. ( أمانة حرية الاختيار ) ..


حيث يقول تعالى ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ) من الآية رقم 72- سورة الأحزاب , ويقول تعالى أيضاً : ( ألم نجعل له عينين , ولساناً وشفتين , وهديناه النجدين ) آية 8-10 سورة البلد.

ولا بد أن يتأمل كلُ واحدٍ منّا .. ليس فى كون الله المبدع فقط , وإنما أيضاَ فى أنفسنا كما قال تعالى : ( وفى أنفسكم .. أفلا تبصرون ).

وكلنا يعلم أن العلم قد توصل إلى حقائق مذهلة عما وضعه الله فينا من إمكاناتٍ وقدراتٍ مُعجزةٍ لا نكاد نحصيها .. جسمانيةٍ ونفسيةٍ وعقلية , ولكن كثيراً ما نغفل عن تفضله سبحانه علينا بأعظم وأبدع وأرحم من كل ذلك .. بأن جعل الغالبية العظمى من هذه المِنحِ الجليلة والنِّعمِ الجميلة بداخل أجسادنا يعمل تلقائياً دون أى تدخلٍ منا أوتفكير , فكفانا - سبحانه - بذلك مشقة الإنشغال بها والعناء من الاعتناء بتشغيلها ومتابعتها ..
فى ذات الوقت الذى أعطانا القدرة على استخدام الكثير منها بحريةٍ تامةٍ مُخيَّرين فى استخدامها كيفما شئنا.

وهو ما لم نتعلم بعدُ كيف نُحْسِنُ استخدامَ مُعظمه , وبخاصةٍ قدراتنا العقلية الهائلة التى تكاد أن تكون غير محدودة.

إنها سلسلةٌ متصلةٌ من الإبداعات الإلهية والنعم الربانية التى لا تنفكُّ إلى قيام الساعة , تحتاج إلى المزيد من التفكرِ والتأملِ الدائم الذى لا ينقطع إلا بفراقنا لهذه الحياة ..

فما أعظمك يا إلهى , وما أشدَّ جحودنا لنعمك , وما أكثر تقصيرنا عن عبادتك.

إخوتى الأحباء فى الله ..

كثيراً فى رحلة الحياة ما نحتاج إلى أن نتوقف .. لكى نبدأ ..

وهو ما ينطبق علينا جميعاً دون استثناء ..

وما علينا إلا أن نتوقف قليلاً لنتفكر ..

فأنت يا بن آدم وحدك القادر على أن تختار مصيرك وتحدده .. ولا أحد سواك ..


أنت وحدك هو .. ذات الإنسان الذى يمكنه البلوغ إلى أعلى عليين ..

وأنت وحدك مَنْ يُمكنهُ أن يكون فى معية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ..

فقط إن أردت ذلك .

أسأل الله أن يجعلنا ممن هداهم واجتباهم وأسكنهم أعالى الجنان بصحبة سيد الأنام ( صلى الله عليه وسلم ).

هناك 15 تعليقًا:

  1. Thank you David for visiting my blog, reading this article and your useful information about marketing.

    ردحذف
  2. بسم الله وبعد
    بوركت أخي في الله على الطرح الطيب وبورك جهدك
    تحياتي واحترامي وتقديري لك

    ردحذف
  3. سبحان الله العظيم

    فعلا كل ما خلقه الله يستحق منا التأمل و لن يكفينا عمرنا كله تأملا لكي نعرف حكمة الله في كل شيء ..

    موضوع أكتر من رائع ..و فعلا هي عبادة فى منتهى الرقي قد نغفل عنها و أذهاننا منشغلة بأشياء أخرى !

    تسلم أخي محمد على هذه السطور الرائعة و التذكرة القيمة لنا

    دمت بخير

    ردحذف
  4. سبحان الله

    احييك استاذ محمد علي هذا الجهد والطرح

    الاكثر من رائع

    جعله الله في ميزان حسناتك وتقبلك في الصالحين

    واسأل الله لي ولكم وللمسلمين اجمعين

    أن يجعلنا ممن هداهم واجتباهم وأسكنهم أعالى الجنان

    بصحبة سيد الأنام ( صل الله عليه وسلم ).

    تحياتي
    زهرة

    ردحذف
  5. لا تعلم أخى مازن كم تسعدنى زيارتك ..

    بارك الله فيك ووفقك لما فيه الخير.

    ردحذف
  6. ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ )

    أختى EMA ..

    حيث أنى فى مقدمة المنشغلين عن الكثير من الطاعات .. لذا أُذَكِّر نفسى أولاً قبل أن أُذَكِّر غيرى.

    أشكرك كثيراً على متابعتك وتعليقك.

    ردحذف
  7. أختى العزيزة زهرة ..

    لقد أبكيتنى بدعائك لى بأن يتقبلنى الله فى الصالحين.

    ولك بمثل ما دعوتِ لى وزيادة إن شاء الله.

    ردحذف
  8. فما أعظمك يا إلهى , وما أشدَّ جحودنا لنعمك , وما أكثر تقصيرنا عن عبادتك.
    --------------------------
    صدقت اخي الكريم ما أعظم قدرت اله ولنستغفر الله على جحودنا ونكراننا بقصد أو بغير قصد

    ردحذف
  9. صباح الغاردينيا أستاذ محمد
    سبحان رب العالمين
    حقاً كل شئ في الحياة يستحق وقفة تأمل
    جزاك الله خيراً
    أعتذر عن عدم زيارتك حتى الان
    رغم عمل متابعة لمدونتك لم يظهر لي جديدك"
    ؛؛
    ؛
    لروحك عبق الغاردينيا
    كانت هنا
    reemaas

    ردحذف
  10. أسأل الله أن يغفر لنا زلاتنا التى وقنا فيها بقصد وبدون قصد , إنه هو الغفور الرحيم.

    بارك الله فيك أخى وسيم infowksl

    ردحذف
  11. إنه لمن دواعى سرورى واعتزازى أن تكون إنسانةٌ مبدعةٌ مثلك من متابعى مدونتى.

    سعدتً كثيراً بزيارتك وتعليقك ريماس.

    ردحذف
  12. فما أعظمك يا إلهى , وما أشدَّ جحودنا لنعمك , وما أكثر تقصيرنا عن عبادتك.

    الحمد لله رب العالمين
    نحمده على نعمه الكثيرة التى لاتحصى ونسأله تعالى ان يمن علينا بالايمان الخالص والثبات على اليقين

    بارك الله فيك اخى وجزاك الله طل خير على طرحك الطيب

    تحياتى وتقديرى لك

    ردحذف
  13. أؤمِّن على دعائك أختى الفاضلة أم هريرة .. آمين يارب العالمين.

    أكرمك الله أختى وبارك فيك.

    ردحذف
  14. سبحان من خلق فأحسن الخلق

    سبحانه هو الحكيم العادل الكريم

    **

    تحياتي لطرح مفيد

    منجي

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه