الأحد، 18 ديسمبر 2011

ثورةُ المُهَمَّشين

شركاء .. لا أعباء

منذ بداية الثورة شاهدنا الكثير من التجاوزات من جانب العديد من فئات وطوائف من الشعب عن جهالةٍ متعمدة - وليس جهلاً - وسوء تنشئةٍ ونقص وعىٍ تسبب النظام الحاكم السابق في الجانب الأكبر منه بتركه ( عمداً أو إهمالاً ) مشاكل المجتمع العديدة تتفاقم دون سعىٍ حقيقىٍ أو جِدِّىٍ لحلها.

كنت أعيب تماماً على كل من يتظاهر أو يطالب بمطالب فئوية فى ظل الظروف العصيبة التى تمر بها مصر بعد إسقاط نظام حسنى مبارك وأعوانه , حيث أن هؤلاء هم أول من يثير الفوضى ويشيع عدم الاستقرار فى البلاد فى وقتٍ هى فى أشد الحاجة إليهم.

وكنت دائماً ما أتهم كل من يفعل ذلك إما بقلة الوعى أو ضيق الأفق , وإما بعدم الإحساس بالمسؤولية وتفضيل مصالحه الشخصية على مصالح الوطن ..

كان الأمر كذلك حتى قابلت بعض هؤلاء المُهَمَّشين وتحدثت معهم , فاكتشفت .. بل أيقنتُ أن الأمر نسبىٌ تماماً....

المطالبة بتفعيل المشاركة السياسية للأشخاص ذوى الإعاقة فى مصر بعد الثورة

كان ذلك منذ حوالى ثلاثة أشهر .. وتحت شعار " شركاء لا أعباء " .. وبمنتهى الأدب والرقى الذى يفتقده الكثيرون من الأصحاء .. قام " الإتحاد النوعى لجمعيات الأشخاص ذوى الإعاقة بأسيوط " بتنظيم ندوةٍ تلفت أنظار الأصحاء إليهم فى محاولةٍ لدفع الظلم البَيِّن الواقعِ عليهم ودعم حقوقهم وتفعيلها , ورفع حالة التهميش المجتمعى الواقعة عليهم من معظم قطاعات المجتمع , وذلك من خلال حملتهم من أجل تفعيل المشاركة السياسية للأشخاص ذوى الإعاقة.

وقبل هذه الندوة .. لم أكن أعلم أو أتصور أبداً أن قانون ال " 5 % " - الذى يقضى بحتمية تخصيص هذه النسبة من وظائف الدولة للأشخاص ذوى الإعاقة - أن هذا القانون غير مطبق , وهو ما يعنى ويوضح عدة أمور أهمها : 

- أن حكومة ما قبل الثورة .. هى ذاتها كانت لا تلتزم بالقوانين المنظمة لحياة مواطنيها.
- أن مدى الاستهتار بحقوق الإنسان المصرى على أرضه .. قد بلغ ذروته.
- وصل انتشار الظلم والفساد حتى عَمَّ أناساً كان الأولى بنا .. لا أن نرعاهم فقط .. بل أن نحملهم بداخل أعيننا إن استطعنا.
- أن الرحمة قد نُزعت من قلوب من كانوا قائمين على شؤون البلاد والعباد قبل 25 يناير. 

وعلى الرغم من ذلك , فقد ركز معظم الحاضرين ( ذوى الإعاقة ) ومعظم من ألقوا بكلماتهم على جانبٍ يغفل عنه الكثيرون منا , وهو ضرورة الإلتزام بالسلوكيات الحميدة فى مواجهة سوء المعاملة , و بعلوّ أخلاقهم فى مواجهة محاولات التعالى عليهم أو إشعارهم بالدونية أو الإهمال.

وقد وضع إخوتنا من ذوى الاحتياجات الخاصة مجموعةً من المعايير لاقتراع الأشخاص المعاقين كأحد حقوقهم على مجتمعهم , ومن أهمها :

1- تجهيز مواقف السيارات القريبة من مراكز الإقتراع.
2- توفير مداخل بمعايير نموذجية مزودة بمنحدر ملائم بدرابزين.
3- ترك مساحة قطرها 150 سم بين طاولة الإقتراع وأثاث الغرفة بما يسمح بحركة الذى يستعمل كرسياً متحركاً.
4- عدم تعدى ارتفاع الطاولة مع صندوق الإقتراع 120 سم.

جميعنا يعلم أنه قد يصعب تنفيذ بعض هذه المعايير فى الوقت الحالى , ولكن لا بد أن تكون ضمن أجندة المسؤولين فى المرحلة القادمة , إذا ما أردنا أن نتقدم إلى الأمام باحترام وتقدير أصحاب الحقوق علينا.

أما الفئة المهمشة الأخرى التى قابلتها , فكانت عمال النظافة بمحافظة أسيوط , الذين يغفل معظم الناس عن ضرورة وجودهم وأهمية دورهم فى أى مجتمع , فأجريت معهم حواراً عرفت من خلاله حقيقة ما يعانون منه ..

عمال النظافة يعتصمون أمام مبنى محافظة أسيوط احتجاجاً على تدنى أوضاعهم المعيشية

إن هؤلاء هم المعذورون حقاً .. إما لحاجتهم الشديدة المُلحة , وإما لأميةٍ يعانون بسببها , أو لجهلٍ لا ذنب لهم فيه .. ناتجٍ عن إهمالٍ من أناسٍ حكموهم لسنواتٍ كانوا خلالها حريصين على أن يظلوا كذلك , وهو ما نتج عنه شعورٌ بالدونية وقلة الحيلة طوال حياتهم , فكان كل ذلك هو الدافع وراء مظاهراتهم ومطالباتهم الفئوية عندما شعروا بأن لهم صوتاً يمكن أن يجد آذاناً صاغيةً هذه المرة.

ووالله .. رغم كل ما يعانى منه هؤلاء أو يطالبون بتحقيقه , فإنهم لم يفكروا حتى فى تخريب منشأة أو التعدى على مسؤول , وقد رأيتهم يسمحون بمرور سيارات الإسعاف ويفتحون الطريق أمام العربات التى تحمل الدقيق إلى المخابز , بما يعنى أن عندهم الكثير من الوعى على عكس ما قد يظن البعض.   

وعلى قدر ضعف مستوى هؤلاء العمال العلمى والثقافى ,  إلا أنى أحترمهم وأحييهم , بل وأفخر بهم , لأنى وجدتهم أفضل كثيراً من بعض الفئات التى تدَّعى العلم أو الرقى ولكنها لم تكثرث بالإضرار بمصالح البلاد , بل لجأوا إلى لىِّ ذراع بلدهم المحتاجة إليهم دون أدنى شعورٍ بالمسؤولية أو شعورٍ بالوطنية.

وللأسف .. فإن معظم هذه الفئات - بثقافتها وسلوكياتها - لا تعرف أصلاً معنى الحرية وما هى حدودها , كما أنه ليس لديهم أى شعورٍ بالمسؤولية تجاه الوطن مع التركيز على مصالحهم الفئوية أو الشخصية البحتة.

والكثير من هؤلاء يُعدون - مع الأسف - من أشد أعداء الثورة , حتى وإن لم يكونوا على درايةٍ بذلك.

فليرحمك الله يا مصر وليحفظك من شرور بعض أبنائك !

لقد عانينا كثيراً , وأصابنا الإحباط طويلاً , ولكن ..

يظل الأمل قائماً يملؤنا اليقين بالله - مهما حدث - فى أن القادم هو الأفضل إن شاء الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه