الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

الثورة .. وعلم التغيير

دوائر التغيير

فى بداية العام الحالى .. كنت أدرس فى دورةٍ تدريبيةٍ عن المهارات القيادية  , وقدّر الله أن تقوم الثورة فى مصر أثناء فترة دراستى لتلك الدورة , وهو ما كان السبب فى تأجيل الدراسة لفترةٍ لم تنتهى إلا بتنحى الرئيس السابق " حسنى مبارك ".


كانت المادة العلمية رائعة وتشتمل على العديد من الموضوعات الهامة , وقد شاءت حكمة الله أن يكون الموضوع الذى نتدارسه فى تلك الأثناء هو موضوع التغيير , وما الثورة إلا التغيير ذاته , فشكّل ذلك بالنسبة لى فرصةً نادرةً متميزةً للدراسة والتطبيق العملى لحركة تغييرٍ واسعةٍ قلّما يُقدّرُ للإنسان أن يعيش مثلها.

وكان من أجمل العبارات التى تحتويها المادة عبارةٌ تقول : " إن التغيير ليس هدفاً فى حد ذاته , بل هو طريق , فإن اتُخذ التغيير هدفاً بذاته , فإنه سوف ينتهى إلى ضده , ويتحول إلى فوضى واضطراب ".
   
وهنا يكمن الفارق بين التغيير المدروس و التغيير العشوائى ..

ونحن هنا فى محاولةٍ لتسليط الضوء على بعض النقاط الهامة التى درستها أو قرأتها فى علم التغيير , والتى أحاول معكم .. بها ومن خلالها .. فهم الأحداث الجارية على ساحة التغيير العربية , خاصةً فى الدول التى قطعت فيها الثورة المباركة شوطاً ليس بالقليل كمصر وتونس ..

فالتغيير المدروس يعنى أن : له خطةٌ واضحة المعالم تم وضعها بعنايةٍ .. نابعة من إرادةٍ قويةٍ وتصميمٍ على إكمال المسيرة بعد تفكيرٍ عميقٍ .. بناءً على وعىٍ إبداعىٍ وإدراكٍ لضرورته , وهدفه الأسمى هو فتح الآفاق والتطلعات و رسم الأهداف نحو الأعلى.

أما التغيير العشوائى فهو : سهلٌ وبسيط , ويمكن البدء به بسرعة , لأنه هدم .. والهدم أسهل كثيراً من البناء , وتنتهجه الجماعات التى يعانى أفرادها من أزمة الوعى , أو تعانى صفوفها من التراكمات والتوترات السلبية الكامنة أو المحدودة , لذا فإن الدعوة إليه والسير فى اتجاهه.. تؤدى إلى تمزيق وحدة الصف والانتهاء بالجميع إلى أسوأ الأوضاع

وفى إطار ذلك .. هناك مثلٌ رائعٌ يُعبّر تماماً عن أصناف الناس فى طبائعهم - وبالتالى مواقفهم - تجاه التغيير , وهم فى ذلك ينقسمون إلى ثلاثة أصنافٍ لا رابع لهم ..

فهناك ثلاثة أشخاصٍ يمتلك كل واحدٍ منهم منزله الخاص , ومنازلهم جميعاً تحتاج إلى التجديد والتطوير , أى التغيير ..

أما الأول فيريد بقاء الوضع على ما هو عليه بدون أى تغييرٍ فى المنزل على الإطلاق , حتى وإن أدى إهماله الأمر إلى انهيار المنزل على المدى البعيد , فهو يشعر بأنه إن أقدم على التغيير .. فإنه سيفقد - من وجهة نظره - الاستقرار والهدوء الذى يعيشه , أى أنه يريد الاستمرار والبقاء داخل " الدائرة السوداء " , وهذا هو عدو التغيير الأكبر , وإن لم يكن يُدرك ذلك.

والثانى يرى أنه إذا ما قام بدهان جدران المنزل فوق الدهان القديم وإصلاح العيوب الظاهرة فقط .. فإنه بذلك يكون قد أدى ما ينبغى تجاه عملية التغيير , فهو يحب التغيير المحدود و" الدائرة الرمادية " , وهو عاشقٌ للحلول الوسط باعتبارها تمثل حلاً سريعاً ومسكناً للوضع القائم , دون أن يضع فى اعتباره أن أثر معالجته السريعة قد يزول سريعاً وتظهر المشكلة من جديد.

وأما الشخص الثالث فرأيه أن يقوم بخلع الأرضيات القديمة وإزالة الدهانات القائمة والتخلص من الأثاث المتهالك أولاً , وأن عليه أن يتحمل صعوبة العيش فى الفترة الانتقالية , ثم البدء فى إعادة بناء المنزل وشراء أثاثٍ جديد , أى التجديد الشامل للمنزل , فهو يحب التغيير الجذرى ويسعى إليه ولا مكان عنده لأنصاف الحلول , إنه مؤمنٌ بأنه لا بد من المرور بدائرةٍ شديدة السواد حتى يستطيع الوصول إلى الدائرة الشفافة. 



أيُّهُم تظن أنه على الحق ؟

وهل يمكنُ أن تكون هناك دائرة واحدة متوازنة يمكن أن تحتوى الألوان الثلاثة للتغيير ؟

فى اعتقادى .. أن التغيير أمرٌ لا بد من حدوثه , فهو من سنن الكون وهو الشىء الوحيد الذى جعله الله ثابتاً فى هذه الدنيا , ولكن لا بد لعملية التغيير من ضوابط تحكمها حتى لا تقضى على ذاتها , فتضل الطريق إلى الهدف الذى قامت من أجله

كما أعتقد أنه لا خلاف على أن الشخصية الأولى السوداء - فى الأغلب - تفتقر إلى الوعى اللازم أو أنها تفتقد إلى الفكر السوىّ.

* ولكن هذا لا ينفى أبداً كون أن هناك ثوابت وقيم لا بد من التمسك بها وعدم قبول تغييرها تحت أى ظرفٍ أو مُسمّى أو ضغوط , إما على اعتبار كونها من المقدسات الدينية أو العقائدية , أوعلى اعتبار أنها من الأشياء التى تمس أمن الوطن أو مصالحه العليا.

وصاحب الشخصية الرمادية، قد يكون مُحقاً فى تأجيل الحل الجذرى لبعض الأمور لكون ظروفه لا تسمح بذلك فى الوقت الحالى , كأن يكون لا يملك المبلغ اللازم لإصلاح المنزل بالكامل , فيكون قراره هنا صائباً بتأجيل بعض الأمور حتى يحين الوقت المناسب.

أما صاحب الشخصية الشفافة .. فأنا أتفق معه تماماً ومع كل من ينادى بضرورة التغيير الجذرى ..

إلا أنى أختلف بشدة مع من يقولون بوجوب تحقيق كل أركانه فوراً، وأرى أن هذا التغيير آتٍ لا محالة إن عاجلاً أم آجلاً ( مع السعى لتحقيقه طبعاً )، وأن للتغيير مراحل، وأن لكل مرحلة أولوياتها، وأن الأولوية فى المرحلة الحالية من عملية التغيير هى لهدم الأركان الكبرى التى شكَّلت الداعى الرئيس والحاجة المُلحة إلى التغيير - والتى لا تزال وستظل لفترة ليست بالقصيرة تقاوم حدوثه قدر ما تستطيع - وأن يتم ذلك فى ضوء الأولوية الأكبر، وهى الحفاظ على أمن الوطن واستقراره فى مواجهة أعدائه فى الداخل والخارج.

أخي الثائر العربي في كل مكان .. إن الثورة على الظلم والفساد واجبة، ولكي نحافظ عليها ونحقق أهدافها... لا بد أن نحول بينها وبين أن تتحول إلى فوضى.

أخي!... احذر أن تكون أنت نفسك ممن يقف في وجه التغيير الذي تريده وتعمل من أجله وأنت لا تدرى، وذلك باتباع أسلوبٍ أو منهجٍ عشوائىٍ أحمق يعطل دوران عجلة التغيير، بل قد يصل بالأمر إلى إيقاف دورانها أو عودتها إلى الوراء.

* فالحماسة في غاية الأهمية، حيث أنها أحد الدوافع الرئيسة نحو التغيير , إلا أنها ليست كل شىء، كما أنه ليس هناك من يستطيع أن يدّعي أنه يملك الحقيقة المطلقة الكاملة، فالمسألة نسبية وعليها خلاف، ولا بد أن يجلس الجميع في هدوء، حتى يستطيعوا سماع بعضهم البعض.


إننا نريد دائرة التغيير المتوازن...
دائرةٌ نراها دائمة الحركة والدوران كلما نظرنا إليها رغم ثباتها على أرضٍ واقعية أصيلةٍ صلبة...
دائرةٌ تضىء كل ما حولها، وتظل تنثر النور فى كل مكان، وإن خَفَتْ ضوءُها لبعض الوقت، بشرط أن يكون تحركها هو ذاته التغيير الدائم نحو الأفضل ..
حتى إذا ما اعتقدنا أننا قد وصلنا إليه... وجدناها لا تزال تتحرك وتدور نحو المزيد من ذلك الأفضل، وهكذا إلى ما شاء الله.