الأربعاء، 21 مارس 2012

أُمُّهُ اسمها آمنة

أعطانا الأستاذ عبد الله بعض الاستمارات التى لا بد من ملأها ضمن أوراق دخول إمتحان نهاية العام عندما كنا فى الصف الثالث المتوسط ( الشهادة الإعدادية ) بالمملكة العربية السعودية , وكانت ضمن البيانات المطلوبة خانة خاصة ب..( اسم الأم ) .. 



ولم أرغب - فى ذلك الوقت - ومعظم زملائى الطلبة فى كتابة أو ذكر أسماء أمهاتهم , فوجه إلينا الأستاذ عبدالله , وكان - جزاه الله خيراً - رائد الفصل , وكان سعودياً - أى من بيئةٍ شديدة التحفظ .. وجه إلينا سؤالاً فى غاية العمق والأهمية ..

وهل أنتم أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم الذى يعلم العالم أجمع أن " أُمُّهُ اسمها آمنة " ؟

لم ولن أنسى هذا السؤال الذى هزنى من أعماقى بكل قوة !

ومن وقتها وأنا أتفكر وأتعجب من ثقافتنا الدخيلة على الإسلام !!

ثقافة الخجل من ذكر الأم أو اسمها , والمرأة بشكلٍ عام ( الزوجة والأخت والإبنة ) , وكأنها عورةٌ لا يصح الإطلاع عليها , بل ويجب علينا أن نداريها بكل السبل الممكنة وغير الممكنة , وإلا فإنه يُعَدُّ من قبيل افتقاد الغيرة على الأهل !!!

وقد ورد فى الحديث الصحيح عن صفية أمّ المؤمنين " أنها جاءتْ رسولَ الله صلى الله عليه و سلم تزُورُه في اعتكافِه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان , فتحدّثتْ عنده ساعة ثم قامت تنقلب ( أى ترجع إلى بيتها ) ، فقام النبي صلى الله عليه و سلم يقلبُها .. حتى إذا بلغت بابَ المسجد عند باب أمّ سلمة .. مرّ رجلان من الأنصار فسلّمَا على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال لهما النبي صلى الله عليه و سلم : على رَسْلِكُمَا .. إنما هي صفية بنت حيي ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله .. و كبُرَ عليهما ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إنّ الشيطان يبلغ من الانسان مبلغ الدم , وإني خشيتُ أن يقذِفَ في قلوبكما شيئاً " ..

* ولاحظوا معى كيف أن رسول الله لم يقل إنما هى زوجتى أو جماعتى أو أهلى كما يقول بعض الناس فى عصرنا - علماً بأن هذا كان سيكفيه - وإنما ذكرها بالإسم " صفية " .. فسبحان الله !!! 

وعندما يسأله عمرو بن العاص رضى الله عنه قائلاً : " يا رسول الله .. من أحب الناس إليك فيجيبه ( عليه الصلاة والسلام ) بتلقائيةٍ وبلا ترددٍ أو تريث :  " عائشة ".

صلى الله عليك وسلم يا حبيبى ويا قدوتى يا رسول الله.

إخوتى وأحبائى فى الله ..

إن رسولنا الحبيب " القدوة " صلى الله عليه وسلم كانت " أمه اسمها آمنة " , و زوجاته أمهات المؤمنين .. نعلم أسمائهن جميعاً إبتداءً من السيدة " خديجة بنت خويلد " وانتهاءً بالسيدة " مارية القبطية " , بل ونعرف أيضاً  أسماء كل بناته على سبيل الحصر ( فاطمة , رقية , زينب , أم كلثوم ) , ولم يقتصر الأمر على ذكر اسم واحدة منهن فقط , رضى الله عنهن أجمعين.

فإن كان فى الأمر حرجٌ شرعى , فإنه صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالحفاظ على شرع الله الذى أُنزل عليه هو ..

وإن كان فى الأمر أعراف مجتمع , فقد عُرف عن العرب أنهم كانوا أشد الناس غيرةً على نسائهم .. 

فالأمر لا يقتصر على ذيوع صيت الكثير من نساء العرب بعد الإسلام , وإنما كان الأمر طبيعياً جداً عند العرب فى الجاهلية أيضاً , وخاصةً الشاعرات منهن أمثال الشاعرة الشهيرة - قبل وبعد الإسلام - " الخنساء " أم الشهداء رضى الله عنها. 

وهذا كتاب " صحابيات حول الرسول " للشيخ محمود المصرى .. يدعونا لنتعرف عليهن بأسمائهن كاملة دون مواربة ولا خجل , من أمثال أسماء بنت أبى بكر , وأم حرام بنت ملحان , وخولة بنت ثعلبة , والعشرات غيرهن .. رضى الله عنهن أجمعين.

إننا جميعاً - بالتأكيد - نحترم مشاعر الغيرة ونقدر الشهامة , فما أجملها من صفاتٍ ينبغى أن يتحلى بها كل مسلمٍ حقيقىٍ غيورٍ على دينه مستمسكٍ بتعاليمه .. 

ولكنى لا أعلم - حتى الآن - بوجود نصٍ صحيحٍ أو صريحٍ واحدٍ يحرم ذكر اسم المرأة أو يُدخله فى دائرة عدم الغيرة , وهو ما يهدم أية أفكارٍ أو أحكامٍ يُصدرها البعض دون سندٍ شرعىٍ من القرآن والسنة.

وأيضاً .. لم يُعهد عند العرب أو المسلمين إطلاقاً أن اقترن اسم المرأة بزوجها كما يفعل الغرب أو ال " المستغربون " فيقولون : ( مدام فلان , أو السيدة فلان .. باسم الزوج ) , فقد حفظ الإسلام للمرأة كيانها الخاص وشخصيتها المستقلة.  


إخوتى وأحبائى فى الله ..

إن هناك الكثير من العادات والتقاليد التى تربينا عليها ونشأت عليها مجتمعاتنا دون أن يكون لها سندٌ من صحيح الدين وليس له أية علاقةٍ بالإسلام إطلاقاً , وهو ما يحتاج منا إلى الكثير من الوعى والجهد المخلص من أجل تصحيحه.



ولأن لكل إنسانٍ حظاً من اسمه , فإن لأمى - حفظها الله - حظاً وافراً من اسمها , ومن أجمل وأعظم الصفات التى تتصف بها أمى - بارك الله فيها - هى صفة الكرم , حتى أن هذه الصفة تصل عندها بالفعل إلى حدٍ يفوق الوصف فى معظم الأحيان .. فيصل إلى درجة ال إكرام ".

أسأل الله أن يرحم أمهاتنا جميعاً .. أحياءً وأمواتا , وأن يجزيهن على تربيتهن لنا صغارا , وإعدادهن لنا حتى صرنا رجالا .. خير الجزاء , وأن يتجاوز عنهن , وأن يجعلهن فى الصالحين , وأن يكتبهن من أهل الجنة

هناك 6 تعليقات:

  1. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    أوافق حضرتك أ/محمد ما جئت به هنا وضعنا أمام أنفسنا قليلاً من وجه نظر جديدة للأمور .... و أعزو هذا إلى عدم معرفتنا الجيدة بديننا فأصبحت الأشياء الدخيلة عليه طبيعية بالنسبة لنا لمجرد أننا لا نعرف ولا نبحث ...
    اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم ...
    جزاك الله خيرا و أشكر حضرت جداً

    ردحذف
    الردود
    1. إن هذا الأمر يُعَدُّ ضمن أولويات الخطاب الدينى الجديد الذى يخاطب عصرنا بأصالة ديننا ..

      وهو ما أرجو أن يكون لنا فيه دورٌ يجعلنا من مجددى الدين فى هذا القرن.

      بارك الله فيك أختى ريهام.

      حذف
  2. الموضوع جزهرة صراحة ، هزمت اولئك المتشددين و الذين يرون اسم المرأة عورة
    ياالهي الموضوع يستحق النشر في كل مكان، بوركت يا رجل

    ردحذف
    الردود
    1. إن اهتمامك وتحمسك للقضية واحساسك بها .. إنما هو نابعٌ من وعيك المستنير.

      جزاك الله خيراً عبد الحفيظ.

      حذف
  3. موضوع اكثر من رائع ..عندك حق و الله أخى محمد

    كثيرا نتشدد فى أشياء ليست من الدين في شيء و الدين يسر ونحن نصعب الكثير من الأمور على أنفسنا و ما هي سوى عادات و لكننا نستنكر من يخالفها و نختبئ خلف الدين ..و أقل ما يجب أن نتأكد إن كانت من الدين أم من أعرافنا نحن ..

    سلمت يداك

    تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. أرجو أن يكون لنا - نحن المدونين - دورٌ فاعلٌ ومؤثرٌ فى تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة المحسوبة على الدين زوراً , وذلك من خلال اشتراكنا فى إيجاد المحتوى الضرورى لهذه المهمة والذى يستند إلى ما هو ثابتٌ من صحيح ديننا من القرآن والسنة.

      سلمت أختى إيمى وزادك الله من فضله.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه