الأربعاء، 25 أبريل 2012

افتعال الأزمات .. جزءٌ من إدارة الأزمات !

منذ حوالى أسبوع , وبعد أن أدينا صلاة فجر ذلك اليوم .. خرجتُ مع مجموعةٍ من الزملاء فى رحلة عملٍ إلى القاهرة استغرقت عدة أيام بسيارة الشركة .. كنا قد أجلناها عدة مراتٍ بسبب أزمة الوقود المشتعلة فى مصر منذ عدة أشهر ( بنزين - سولار - بوتاجاز ). 


ومن باب الاحتياط .. كان " هانى " السائق يحمل فى السيارة " جركن سولار " تحسباً للنقص الحاد للوقود على الطريق أثناء السفر من أسيوط إلى القاهرة والعودة , مع اعتبار أن هذا ال " جركن " هو الخيار الأخير الذى يمكننا استخدامه حال وصول الأزمة إلى ذروتها.


صورة جزء من طابور لسيارات الأجرة بأسيوط فى انتظار بنزين 80

وهذا يُعَدُّ من قبيل محاولتنا لإدارة الأزمة الخاصة بنا فى حدود ما نملك !


كنا فى طريق أسيوط - القاهرة الصحراوى الشرقى عندما أدرك " هانى " أنه يجب تزويد السيارة بالوقود لاستكمال الرحلة ..

أخذنا نترقب محطات تموين الوقود على الطريق .. فكنا نجد معظم المحطات مُغلقة لخلوها من الوقود .. أما المحطات التى تعمل .. فحدث ولا حرج عن طوابير سيارات النقل الثقيل ذات خزانات الوقود العملاقة والتى ستلتهم أية كميةٍ موجودةٍ من الوقود.


لم يعد أمامنا سوى اللجوء إلى البديل الشائع فى هذه الأيام .. السوق السوداء " ! 


بعد فترة .. توقف " هانى " أمام تجمعٍ لبعض سائقى السيارات حول أحد تجار هذه السوق القذرة .. والذى يحتفظ بعددٍ من جراكن الوقود الممتلئة .. هكذا فى وضح النهار !!


ذهب إليه السائق بصحبة أحد الزملاء ليقوما بعملية التفاوض حول السعر , ولكنهما وجدا أنه رجلٌ أكثرَ من جَشِع .. حيث طلب ثلاثة أضعاف سعر السوق !!


عاد السائق إلى السيارة قائلاً : " خلاص .. يبقى نموِّن من الواد اللى مَوِّنا منه الشهر اللى فات " !!!


تعجبت .. فهل يُعقل أن يظل تاجراً يعمل فى السوق السوداء لمدةٍ تزيد على الشهر , وله مكانٌ معروفٌ على الطريق , ولا يُقبضُ عليه طوال هذه المدة ؟!


كان هانى يسير بسرعةٍ منخفضةٍ حتى يتبين مكان ذلك " التاجر الأسود " .. 
حتى صاح فجأةً وبفرحٍ شديد : " أهوه هناك " !


يا إلهى !!!
لقد صدق هانى !!!


لقد كان الرجل يقف بجوار خزانٍ اسطوانى به صنبور .. ويقف الناس من حوله منتظرين أدوارهم لتموين سياراتهم .. قمنا بالفعل بتموين سيارتنا بسعرٍ يزيد تقريباً بنسبة 25 % عن سعر السوق.


أكملنا رحلتنا إلى القاهرة , وواصلنا العمل الذى تطلب الذهاب إلى العديد من الشركات والتنقل بين عدة وكلاء وموزعين إلى أن انتهينا من مهمتنا الخاصة باليوم الأول من رحلتنا فى حوالى الثامنة مساءً , ما يعنى استنفادنا كميةً غير قليلةٍ من الوقود , وهو ما دفعنا البحث من جديدٍ عن محطة وقودٍ أخرى ونحن فى طريقنا إلى مكان المبيت.


وبالقرب من مدينة بدرٍ الصناعية .. وجدنا ازدحاماً معقولاً بإحدى محطات تموين الوقود   التى اصطفت فى معظمها سياراتٌ تخص إحدى الشركات الكبرى الخاصة , والتى يبدو أنها قد اتفقت مسبقاً مع صاحب المحطة , فاتجهنا إليها ونحن ننتوى الوقوف بالصف حتى يحين دورنا , ولكن كان لصاحب المحطة رأىٌ آخر !


فبعد طمأنته لنا بتوفر الوقود .. فإذا به يفاجئنا ويفاجىء الجميع بادعاء انتهاء الوقود الموجود بالخزانات , وقيامه بإطفاء الأنوار , وطلبه أن ينصرف الجميع .. بحجة أن حصته من الوقود سوف تأتى فى وقتٍ لاحقٍ لا يعلمه إلا الله !!!


كانت سيارات الشركة الخاصة الكبرى هى أول المستجيبين له .. حيث انصرفت فوراً بمجرد حدوث هذا الموقف دون مناقشةٍ أو جدال !!!


وبينما ظل معنا بعض أصحاب وسائقى بعض السيارات العادية فى انتظار الفرج , كانت بعض سيارات تلك الشركة تعود من حينٍ لآخر , وهو ما لم يجعل ظننا فيهم إثماً تجاه علاقتها بصاحب المحطة .. حيث اتفق الطرفان على أن يتم تموين السيارات بعد ذهابنا , وهو ما لم يحدث.


وفى حين رضى البعض بالأمر الواقع وذهبوا إلى حال سبيلهم , أثار ذلك البعض الآخر من أصحاب السيارات وصمموا على عدم الذهاب لا بعد أن يزودوا سياراتهم بالوقود الموجود بالفعل , وحدثت مشاداتٍ كلاميةٍ عنيفة بين أصحاب السيارت وصاحب المحطة الذى ظل على موقفه رغم انكشاف أمره !


على الفور .. سارعنا بالاتصال بشرطة النجدة , بل وتعدد الاتصال بها من جميع المنتظرين معنا , حتى بلغ عدد مرات الاتصال أكثر من سبع مرات , وكانت النجدة تتفضل علينا بالرد فى كل مرةٍ والحمد لله , بل وتخبرنا بأن النجدة قادمةٌ إلينا فى الطريق , ظل الوضع كما هو لمدة ساعتين تقريباً دون أن تحضر الشرطة حتى قال لنا الخفير الذى يعمل بالمحطة : " الشرطة مش جاية , وحتى لو جت .. فالشرطة بتاكل " .. يقصد مُرتشين !!! 


انفلت عِقْدُ السيارات واحدةً تلو الأخرى .. حتى لم يتبق سوانا على الإطلاق , وبدأت أفقد الأمل ..

فقلت ل"هانى" : " يلا نمشى , وبكرة أكيد هنتصرف بفضل الله " ..


فقال لى : " يا أستاذ محمد .. احنا لسه عندنا شغل كتير بكرة , وبعدين هانرجع أسيوط إن شاء الله , فعندنا حاجة من اتنين .. يا إما نلغى حاجات من الشغل عشان السولار يكفى المشاوير , أو نكمل الشغل ومش هانعرف نرجع أسيوط .. فماعندناش حل غير الانتظار  "


وفى حوالى الساعة الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل - أى بعد أربع ساعاتٍ كاملة - رقَّ قلبُ صاحب محطة الوقود لحالنا .. فادعى أنه سيقوم بمحاولة " هز التانك " من أجل تجميع ولو صفيحة ( 20 لتر ).


وبالفعل .. نلنا المراد من رب العباد , وقام بتزويدنا بمقدار الصفيحة أخيراً.


والمفارقة العجيبة .. أننا وجدنا " سيارة النجدة " تقف فى مدخل " مدينة بدر " على بعد حوالى 500 متر من موقع محطة الوقود.


وفى محاولةٍ ليس لها أى معنى سوى تأكيد المعنى .. نزل هانى إلى سيارة الشرطة ليخبرهم بما حدث وبماذا وصفوا الشرطة , فما كان منهم إلا أن افتعلوا شعوراً بالأسى مما حدث مع ( وعد ) بأنهم سيقومون بإبلاغ المأمور واتخاذ اللازم.


وهنا .. لا يفوتنى أن أذكر أحد أعجب المشاهد التى رأيتها بعينى فى تلك الرحلة العصيبة ..


ففى أحد محطات الوقود بالقرب من " مدينة الكريمات " على الطريق الصحراوى .. حيث توجد إمرأةٌ فى عقدها الخامس اتخذت لها مكاناً بجوار محطة الوقود لتبيع بعض الفواكه , وذلك حتى تضمن لها بعض زبائن الطريق الزائرين لمحطة الوقود .. فوجدتها تقوم بملأ بعض الجراكن بالوقود حتى جَمَعَتْ حوالى أربعةً منها لتبيعها بجانب الفواكه - هكذا جهاراً نهاراً - وهو ما لم يكن ليحدث إلا بالاتفاق مع صاحب المحطة بالتأكيد !!!


وقد استوقفتنى فى هذه الرحلة عدة أشياء لو شاركتمونى فيها , وهى :


1 - وجود السوق السوداء لسلعةٍ ما .. يعنى أن السلعة تباع بأعلى من سعرها الأصلى , وهو ما يعنى أن السلعة موجودةٌ بالفعل ولا يوجد نقصٌ فى المعروض


2 - انتشار السوق السوداء على نطاقٍ واسعٍ بمشاركة فئاتٍ كثيرةٍ من المجتمع من ضعاف النفوس .. بدءً بأصحاب المستودعات الكبرى مروراً بمحترفى استغلال الظروف من الموزعين وأصحاب محطات الوقود , وانتهاءً ببعض الأشخاص البسطاء من ذوى الفاقة والحاجة والجهل.


 3 - سلبية البعض و استسلامهم للأمر الواقع و عدم التصدى للمخالفين تساهم بشكلٍ كبيرٍ فى استمرار الأزمة وتفاقمها , وهو ما حدث من أصحاب السيارات اللذين لم ينتظروا ولم يتكاتفوا فى مواجهة صاحب المحطة.


4 - عمل بعض تجار السوق السوداء واستمرارهم فى بعض الأماكن لفتراتٍ طويلةٍ لا يعنى سوى أحد أمرين :


   - عدم دراية الجهات المسؤولة وعلى رأسها وزارة الداخلية بأجهزة الأمن الوطنى والمباحث , و وزارة التموين , وقبلهما القوات المسلحة باعتبارها الحاكم الفعلى للبلاد .. وهذه مصيبةٌ بالطبع لا يصح أن تكون.


   - معرفة الجهات المسؤولة بالقائمين بهذه المخالفات وعدم اتخاذ أى إجراء ضدهم ( كما حدث معنا عندما اتصلنا بالنجدة ) , وهو ما يعنى التواطؤ بهدف استمرار الأزمات لتحقيق غرضٍ ما


وحيث أن القائمين على شؤون البلاد قد تم تعيينهم واختيارهم بمعرفة و ( مباركة ) النظام الحاكم الفاسد السابق , لذا فهم جزءٌ أصيلٌ من ذلك النظام الذى قامت الثورة من أجل هدمه ..


وحيث أنه من المعروف لدى الجميع أن ذلك النظام يقاوم التغيير الحادث بشتى الطرق الممكنة .. المشروعة وغير المشروعة .. من أجل ضمان بقائه أو خروجه الآمن على اقل تقدير ..


لذا .. فهو يتعامل مع الأمر من منطلق أنه يدير أزمة - بالنسبة له ومن وجهة نظره - وليس ثورة على الإطلاق ..
  
ومن المعروف - لمن درسوا علم إدارة الأزمات - أن افتعال الأزمات هو أحد الخطوات التى يتخذها ويلجأ إليها القائمون على مقاومة عملية التغيير !!!


لذا وجب التنبيه لذلك والتحذير منه والتعريف بكيفية مواجهته والتعامل معه ..


وهو ما سنتحدث عنه فى مراتٍ قادمةٍ ضمن علم إدارة الأزمات إن شاء الله.

هناك 6 تعليقات:

  1. فعلا اخى لقد عانينا الاسابيع الماضية من تلك المأساة والى الان لا نعلم السبب الخفى وراء هذه الاحداث
    اعلم ان كل شىء متوفر بمصر وبكثرة وحين يقل بهذه الطريقة وهذا الاسلوب اكيد وراء الامر خطة لشىء ما تدور فى عقول المسؤلين لكن لا يدركها الا من له باع فى السياسة

    حسبنا الله ونعم الوكيل ربنا ينتقم من اى مسؤل يضيق على شعبه ويتسبب فى اى فتنه

    الامر وصل لابعد من الخلافات والمشاحنات فهناك حوادث قتل حدثت بسبب نقص السولار والبنزين
    ولقد شاهدت مشاحنات و( خناقات ) شديدة فى الهرم لهذا الامر


    تحياتى لك اخى
    دمت بكل خير واعاذنا الله واياكم من كل سوء

    ردحذف
    الردود
    1. " يمكرون ويمكرُ الله , والله خير الماكرين " صدق الله العظيم

      أختى العزيزة ليلى ..

      والله إنى على يقينٍ بأن الله سيرد كيد الكائدين فى نحورهم , وأن الله غالبٌ على أمره , وأن الله سيجعل من بعد عسرٍ يسرا ..

      ومهما فعل هؤلاء ليوقفوا عجلة التغيير , فلن يستطيعوا الصمود أمام إرادة الله.

      دمت بكل خيرٍ أختى.

      حذف
  2. بص يامحمد

    اصبحت الاغلبية العظمي من الناس فاسدة

    فقد زرع فينا نظام مبارك الفساد والفهلوة وتفتيح المخ

    فالفاسدون ليسوا قلة هم كثيرون جدا

    ردحذف
    الردود
    1. ولكثرة الفاسدين وانتشار فسادهم فى شتى مجالات الحياة فى مصر .. فإن أمامنا مهمةً ليست بالهينة , بل حرباً فى منتهى الشراسة فى مواجهتهم من أجل اقتلاعهم من أرض مصر الطاهرة والقضاء عليهم إلى الأبد بعون الله وفضله.

      شكراً يا خالد.

      حذف
  3. تحية لكم يا آل مصر

    ردحذف
    الردود
    1. التحية لك أخى محمد ولكل إخوتى فى المغرب الحبيب.
      شكراً لمرورك الكريم.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه