الجمعة، 27 أبريل 2012

دول الخليج .. والثورة المصرية !

يعمل صديقى أحمد بإحدى الوزارات السيادية بدولة شقيقةٍ من دول الخليج العربى منذ عدة سنوات. 
وبحكم عمله .. فإن له علاقات قوية ومتشعبة بالكثير من مواطنى تلك الدولة ..

أحمد الجيزاوى المحامى المصرى المُحتجز بالسعودية

كان له زميلٌ - مصرى - يعمل معه فى تلك الوزارة , ولكن فى إدارةٍ أخرى ..
إلا أن أحمد لم يكن يرتاح لذلك الزميل ولا يحب شخصيته .. 
وبدون أسبابٍ واضحة .. كان يشعر تجاهه بالريبة !!!
وفى ذات يوم ..

إذا بالموظفين يجدون الشرطة وقد حضرت للقبض على ذلك الشخص واضعين القيود فى يديه وهم يقتادونه إلى المخفر ( قسم الشرطة ) وسط ذهول الجميع وعدم استيعابهم لما يحدث.

يقول أحمد : " فى بداية الأمر .. التففنا جميعاً - نحن المصريون - حول ذلك الزميل وذهبنا معه إلى المخفر لمساندته فى محنته , والتى ظننا أن أمراً ما لُفِقَ له على خلفية شعورنا العام بأن دول الخليج ضد ثورات الربيع العربى بشكلٍ عام وضد المصريين وثورتهم على وجه الخصوص .. خوفاً من انتقالها إلى المجتمع الخليجى وتأثيرها على استقراره ".

تبين بعد تحريات المباحث أن ذلك الزميل ارتكب العديد من المخالفات بالاتفاق مع بعض مواطنى تلك الدولة , حيث كان يحصل على رشاوى فى مقابل التلاعب فى بيانات بعض المواطنين أو إخفائها لمساعدتهم على التهرب من بعض التزاماتهم تجاه دولتهم !!!

وبعدما كشفت المباحث أمره .. قامت بإعداد كمين له لضبطه متلبساً بتقاضى الرشوة فى مقر عمله !

وهو الأمر الذى أثار استياء جميع زملائه .. والمصريون منهم خاصة , حيث أثَّر هذا الحادث - مع الأسف الشديد - فى نفسياتهم جميعاً وجعلهم فى حالة ضيقٍ وإحباطٍ شديدين وحرجٍ فى مواجهة مواطنى الدولة وأصحاب الجنسيات الأخرى.

وفى إطار آفة التعميم التى يتسم بها معظم أبناء عالمنا العربى .. كان بعض الموظفين من المواطنين يتهكمون على زملائهم من المصريين ويُعيِّرونهم بابن بلدهم المرتشى , وكان صديقى يرد عليهم بأنه : " لولا الراشين والفاسدين وضعاف النفوس من أبناء تلك الدولة .. لما وجد المرتشى أرضاً خصبةً لارتكاب فعلته " , وأن الفساد وضعف النفوس أمرٌ عامٌ انتشر فى بلادنا كلها ولا يقتصر على أبناء بلدٍ دون الآخر , وهو ما ينبغى أن نتكاتف فى مواجهته.

بعد ذلك بعدة أيام ..

كان أحمد يتابع أحد البرامج الشهيرة على أحد القنوات الفضائية المصرية الأكثر مشاهدة ..
وأثناء متابعته ..
اتصلت إحدى السيدات بالمذيعة مقدمة البرناج فى مداخلةٍ هاتفية ..
فإذا بأحمد يفاجأ بالسيدة تتصل من الدولة التى يعمل بها .. فانتبه للحديث جيداً .. 
كانت تحكى قصة زميله المصرى الذى تم القبض عليه .. 
ولكن .. بصورةٍ مختلفة ..

فوجىء أحمد بالسيدة تبكى وتستغيث بالمسؤولين المصريين وتطلب تدخل المنظمات المصرية من أجل انقاذ " زوجها " من أيدى أولئك الخليجيين " الظَلَمَة " الذين يدينون بالولاء لمبارك ونظامه ويحاربون كل ما هو مصرى بعد الثورة !!!      

بالطبع .. وبمنتهى التسرع .. ودون أن يتبينوا الأمر .. ودون أدنى موضوعية ..
أصاب المذيعة وضيوفها شعورٌ شديدٌ بالأسى لحال المواطنين المصريين فى دول الخليج بشكلٍ عام وازداد حنقهم على تلك الدولة وانهالوا عليها هجوماً شرساً ..

تذكرت هذه القصة ونحن نتابع التصاعد والتصعيد غير الواعى لقضية " أحمد الجيزاوى " المحامى المصرى المُحتجز بالمملكة العربية السعودية الشقيقة , والذى لا نعلم سبب اعتقاله حتى كتابة هذه السطور على وجه اليقين .. هل هو بسبب انتقاده للعاهل السعودى .. أم بسبب جلبه لأقراص ممنوعة داخل السعودية ( كما أعلن الجانب السعودى ) ؟

وأدهشنى التصعيد الإعلامى المتسرع غير الواعى فى معظم الفضائيات المصرية فى الوقت الذى ينبغى أن يتم فيه تناول الموضوع فى إطارٍ من قواعد الإنصاف و أسس الموضوعية التى تستلزم " الـتَّـبَـيُّـن " والتعرف على ملابسات وأسباب اعتقاله وانتظار نتائج التحقيق قبل إصدار الأحكام المسبقة على المسؤولين السعوديين والدولة السعودية بأكملها , وبخاصةٍ - مع الأسف الشديد - من قِبَلِ الكثير من " التويتريين " و" الفيسبوكيين " رغم أن الأمر لا يزال قيد التحقيق .. الذى قد يتبين منه خطأ المواطن المصرى.

ويبدو أن السنوات التى عانى فيها المواطن المصرى من إهدار كرامته التى كان قد تربى عليها آباؤه وأجداده بسبب سياسات مبارك ونظامه الذى لم يكتف بإهدار تلك الكرامة فى داخل وطنه بالقمع والتنكيل والاهانة والاعتقال , وإنما أيضاً بإهماله لشؤون المصرى فى غربته وعدم مساندته فى المطالبة بحقوقه بما سمح بالجَوْرِ عليها فى معظم دول العالم ...

يبدو أن كل ذلك الجرح الغائر لمشاعر المصرى أدى إلى درجةٍ من محاولة تعويض كل ما فاته على مدار أكثر من ثلاثين سنة .. هى فترة حكم مبارك .. حتى ما عاد يتقبل أو يصبر على  الإساءة لأى مصرى بأية صورةٍ كانت , وهو أمرٌ حسنٌ ومطلوبٌ فى موضعه , ولكنه - بالتأكيد - أمرٌ سىءٌ إذا حاد عن إحقاق الحق.

نحن هنا لسنا فى موضع إدانةٍ للمحامى المصرى أو تبرأته .. 
وإنما هى دعوةٌ لإعمال العقل قبل العاطفة .. دعوةٌ للتريث وبحث الأمر بموضوعية , ومطالبة المسؤولين باتخاذ ما يلزم دون الضغط عليهم لاتخاذ مواقف معينة أو متسرعة دون سندٍ أو دليلٍ قد تتسبب فى وضع القيادة والشعب المصرى فى وضعٍ حرجٍ لا يُحسدان عليه إذا ما ثبت تورط الجيزاوى فى أعمالٍ يعاقب عليها القانون السعودى.

وإلا .. فأين نذهب نحن وإعلامنا من قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) آية 6 - سورة الحجرات ؟!

وإنى أربأ ببعض المصريين المتحمسين أن يسيؤوا الظن أو يبنوا أحكاماً مسبقةً على دول الخليج بأنها تعمل ضد الثورة المصرية , أو اتهام بعضها بتمويل جهاتٍ معينةٍ داخل مصر لتحقيق أهدافٍ معينة , ومن ثَمَّ اتخاذُ مواقف عدائية تجاهها بناء على استنتاجات قد تخطىء وقد تصيب .. دون امتلاك سندٍ أو دليلٍ قاطعٍ على ذلك .. فهذا مما يتنافى مع المنطق السليم.  

وهذا الأمر يخضع لمبدأين .. هما :

1- الإيمان بأحقية كل بلدٍ فى سنِّ القوانين التى تراها مناسبةً لها ولمبادئها وثقافتها وأعرافها وتقاليدها.

2- إحترام القانون أينما كان , والخضوع له كمبدأ تنظيمى لحياة الناس أينما كانوا.

إنه مبدأ دولة القانون التى افتقدناها كثيراً ونسعى أن تكونها مصر الثورة ..
وإلا .. فكيف نستنكر على غيرنا ما ندعو ونسعى إليه نحن ؟!  

هناك 4 تعليقات:

  1. هذا لعمر إلهك أول تعليق عاقل أقرأ عنه فى تحليل تلك الأزمة المفتعلة. فقد أكدْت لكل من حدثتهم فى الموضوع أنه زائد عن الحَد بدرجة مريبة جداً وأنه هناك مصريين قضوا سنوات فى جوانتمو ظلماً (منهم أستاذ فلسفة رجع على كرسى متحرك) ولم يفعل أحد عُشر ما فعلوه للمحامى سواءاً كان ظالماً أم مظلوماً. بل إن هناك معتقلون سياسيون فى مصر حتى هذه اللحظة ولم يفعل لهم أحد شيئاً!

    لكن ماذا أقول فنحن شعب كالغنم يسهل قيادته ولا أنسى حتى اليوم ما فعلناه أيام أزمة مباراة الجزائر فلتهنأ إسرائيل وأمريكا وليناما قريرا العين.

    أدعوك أستاذ محمد لزيارة مدونتى وقراءة سلسلة أحداث سبتمبر "أكبر كذبة فى التاريخ" بالأخص لأنها قريبة من خط اهتماماتك وإن شاء الله يدوم التواصل فمن النادر أن تجد عاقلاً هذه الأيام.

    ردحذف
    الردود
    1. صحيح أخى حسام ..

      فهذه القضية المفتعلة تذكرنى بالفعل بأزمة مبارة الجزائر , وهو ما يصب فى مصلحة أمريكا وإسرائيل بخلق جو من الكراهية المتبادلة بين شعوبنا العربية ..

      وهو ما لم ولن يكون ولن يسمح به العقلاء اللذين تزخر بهم أمتنا.

      وصحيحٌ أننا شعب - فى عمومه - يسهل قيادته ..
      لكنى عاتبٌ عليك أخى فى لفظة " الغنم " شديدة القسوة.

      كم أسعدتنى زيارتك المتميزة وتعليقك المتعقل وكلماتك الكريمة.

      يسعدنى التواصل معك أخى .. فاقبل تحيتى.

      حذف
  2. اممممم ..
    علاماتُ استفهامٍ كثيرة تبقى معلقة هنآا ..

    بصراحة لا أعرف الجيزاوي ،
    أهو الإلام الذي غيّب قضيته ،
    أم هي أنا التي لا تطّلع على الأخبارِ بشكلٍ كامل ..

    أتمنى أن تتضح الكثيرَ من الإجباتِ مستقبلًا ..
    إن شاء الله ..

    هامش : بانتظار رأيك في قصتي " الموعد الأوّل " ..

    دمتَ بأملْ ..

    تحيآاتي لكْ ..

    ردحذف
    الردود
    1. مرحباً بك يا دعاء العزيزة ..

      إنه محامى مصر تم احتجازه فى السعودية مُحتجزٌ رهن التحقيقات , وقد تسبب احتجازه فى لغط إعلامى مُتعجل ومفتعل أدى إلى بعض التوتر فى العلاقات لا مبرر ولا داعى له أصلاً بين البلدين الشقيقين ..

      وهو ما أثق تماماً أنه سينتهى قريباً.

      أما عن قصتك ..
      فانتظرى تعليقى فى مدونتك إن شاء الله.

      بارك الله فيك.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه