الجمعة، 4 مايو 2012

الدافع والدافعية.. علامَ اتفقا ؟ وفيمَ اختلفا ؟ ج1

ألم يحدث أن هاجمك شخصٌ ما مُطلِقاً عليك وابلاً من الكلمات الجارحة , فكان ردُّ فعلك ضعيفاً هزيلاً لا يتناسب مع ما تعرضت له , وإذا بك عندما تخلو بنفسك تتعجب من ردِّ فعلك الهزيل وتتمنى أن يعود الموقف من جديد لتفعل ما كان يجب عليك فعله ؟

هل سبق وأن تعرضت لموقفٍ ما , فوجدتَ نفسك مندفعاً بتلقائيةٍ غريبةٍ متخذاً رد فعلٍ فجائى أو عفوى لم تكن تريده ؟ 

فما الذى منعك فى المرة الأولى , وما الذى دفعك فى الثانية ؟


هناك قصةٌ شهيرةٌ تتحدث عن شابٍ ذهب إلى أحد حكماء الصين ليتعلم منه سر النجاح فسأله :

هل تستطيع أن تذكر لي ما هو سر النجاح ؟

فردَّ عليه الحكيم الصيني بهدوءٍ وقال : سر النجاح هو الدوافع.

فسأله الشاب :  ومن أين تأتي هذه الدوافع ؟!

فرد عليه الحكيم الصيني : من رغباتك المشتعلة.

وباستغرابٍ سأله الشاب : وكيف يكون عندنا رغبات مشتعلة ؟

وهنا استأذن الحكيم الصيني لعدة دقائق وعاد ومعه وعاء كبير ملئ بالماء ، وسأل الشاب : 

هل أنت متأكد أنك تريد معرفة مصدر الرغبات المشتعلة ؟ ..

فأجابه الشاب بلهفةٍ : طبعاً.

فطلب منه الحكيم أن يقترب من وعاء الماء وينظر فيه ، فنظر الشاب إلى الماء عن قرب ..

وفجأة .. 

ضغط الحكيم بكلتا يديه على رأس الشاب ووضعه داخل وعاء الماء !!!

ومرت عدة ثوانٍ ولم يتحرك الشاب ، ثم بدأ ببطء يخرج رأسه من الماء ، ولما بدأ يشعر بالاختناق بدأ يقاوم بشدة حتى نجح في تخليص نفسه وأخرج رأسه من الماء ثم نظر إلى الحكيم الصيني وسأله بغضب :  ما الذي فعلته ؟!!

فرد عليه الحكيم وهو ما زال محتفظاً بهدوئه و ابتسامته : ما الذي تعلمته من هذه التجربة ؟

قال الشاب : لم أتعلم شيئاً.

فنظر إليه الحكيم الصيني قائلاً :

لا يا بُنيّ .. لقد تعلمتَ الكثير .. 

ففي خلال الثواني الأولى أردت أن تخلص نفسك من الماء و لكن دوافعك لم تكن كافية لعمل ذلك ، و بعد ذلك كنت دائماً راغباً في تخليص نفسك فبدأت في التحرك والمقاومة ولكن ببطء حيث إن دوافعك لم تكن قد وصلت بعد لأعلى درجاتها ، وأخيراً أصبح عندك الرغبة المشتعلة لتخليص نفسك ، و عندئذ فقط أنت نجحت لأنه لم يكن هناك أي قوة في استطاعها أن توقفك.

ثم ختم الحكيم الصيني - الذي لم تفارقه ابتسامته الهادئة - بقوله :



عندما يكون لديك الرغبة المشتعلة للنجاح .. فلن يستطيع أحد إيقافك ".

بعد قراءتك للقصة .. ما الذى تعتقده فيها ؟!

هل هى تعبر عن الدافع .. أم عن الدافعية .. أم عن الإثنين معاً ؟

وهل هناك فرقٌ أصلاً بين الدافع و الدافعية ؟ 

وإذا كان هناك فرقٌ بينهما .. فما هو ؟


لقد تأملتُ أبحاث وآراء معظم علماء النفس والتربية والتنمية البشرية والمفكرين عن الدافع , فوجدتهم قد استخدموا لفظة " الدافع " فى التعبير عن كل أنواع الدوافع الإنسانية الخارجية منها والذاتية على السواء .. فلا فرق عندهم بين ما هو داخلىٌ نابعٌ من الإنسان ذاته ( الدافعية كما أحب أن أسميها ) وبين ما هو ناتجٌ عن مؤثرٍ خارجى ( الدافع )..

وهم وإن كانوا قد فرقوا بين الدافعية الداخلية وبين الدافع الخارجى من عدة جوانب من حيث المصدر أو الاتجاه أو قوة التأثير .. إلا أنهم قد خلطوا - من وجهة نظرى - ما بين الدافع والدافعية من عدة وجوه .. أحدها استخدام لفظٍ واحدٍ لشيئين مختلفين .. وهو ما أجتهد هنا لشرحه وتوضيحه. 

ويمكننا ونحن نُطِلُّ من شرفة تعريفات بعض العلماء لمعانى الدافع والدافعية أن نتبين ذلك الخلط الشائع بين المعنيين .. 

فقد عَرَّفَ عالم النفس الأمريكى الشهير إبراهام ماسلو الدافعية بأنها خاصيةٌ ثابتة ومستمرة ومتغيرة ومركبة وعامة تمارس تأثيرا في كل أحوال الكائنات الحية .. أي هي قدرة لدى الانسان تدفعه لإشباع غرائزه .. ( لاحظ كيف حَصَرَ الدافع فى كونه لاشباع الغرائز ).  

فى حين عَرَّفها كارل يونج مؤسس علم النفس التحليلى بأنها عبارةٌ عن حالة استثارةٍ وتوترٍ داخليٍ تثير السلوك وتدفعه إلى تحقيق هدف معين.

وذلك فى الوقت الذى قام فيه أحد العلماء بتعريف الدافع بأنه استعدادٌ شخصيٌ ثابتٌ نسبياً .. قد يكون له أساسٌ فطري , ولكنه نتاج أو محصلة عمليات التَّعَلُّمِ المبكرةِ للإقتراب نحو المنبهات أو الابتعاد عنها.

لا شك عندى أن هذه المقولات عبارةٌ عن نظرياتٍ ناتجةٍ عن دراساتٍ متعمقة , أو اجتهاداتٍ بشريةٍ مُستخلصةٍ من تجارب حياتيةٍ ثريةٍ ومتنوعة تعتمد بشكلٍ أساسىٍ على الظروف الخاصة المحيطة بمن توصل إليها ..

وهو ما " دفعنى " إلى أن أدلو بدلوى فى تفصيل معانى الدافع والدافعية لأهميتها العظيمة فى تغيير حياة الإنسان - الفرد والمجموع - فى إطار سعيه الدائم نحو الأفضل ..

ولكن من منظورى الخاص النابع من نشأتى الدينية وخلفيتى الثقافية وقراءاتى المتنوعة وعلاقاتى المتعددة وتحليلى لشخصيتى ومحاولاتى لفهم الناس من حولى واجتهادى فى تقييم سلوكياتهم والدوافع الكامنة وراءها , وكل ذلك فى إطار صورة الإنسان المسلم المتكامل كما أراه وأسعى - ومعى كل مسلمٍ صادق - أن أكونه.

سنتكلم إن شاء الله عن الدافع " الجزء الثانى " و الدافعية " الجزء الثالث " من منظورٍ .. ربما يكون جديداً.

هناك 12 تعليقًا:

  1. الدافع والدافعية

    جميل أن أجد تفصيلا لأكثر الأمور تحكما في تصرفات البشر

    وهما رغم تحمهما في تصرفاتنا إلا انهما مختلفان..


    أخي محمد
    اشكرك على تزويدنا بهذا الكم المدهش من المعرفة والتفصيل والتحليل
    تحيتي لك دوما

    ردحذف
    الردود
    1. لا تشكرينى على شىءٍ أختى زينة ..

      فقط .. أسألك الدعاء.

      جزاك الله خيراً.

      حذف
  2. ثقافة الهزيمة .. طيور الظلام‏

    و نشرت جريدة اليوم السابع فى 26 يونيو 2011 .. وثيقة تثبت تورط عمرو موسى خلال توليه منصب وزير الخارجية، في الموافقة على إتمام صفقة تصدير الغاز إلى إسرائيل، وتشجيع وزارة البترول المصرية على سرعة إتمام الإجراءات الخاصة بها،

    الوثيقة عبارة عن خطاب موجه من عمرو موسى في نوفمبر 1993 إلى وزير البترول المصري آنذاك المهندس حمدي البنبي، يتضمن تأكيد موسى موافقته على تصدير الغاز إلى إسرائيل، كما يوضح الخطاب الدور الذي لعبه عمرو موسى في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل في إطار المشروعات الإقليمية في مجالات الغاز والبترول في المنطقة ضمن أجتماعات التعاون الأقتصادي الإقليمي التي عقدت في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن في بدايات نوفمبر 1993.

    ونشرت صورة ضوئية من الخطاب تثبت ما سبق، ويحمل في نهايته توقيعه .... لمزيد من التفاصيل أذهب إلى مجموعة مقالات ثقافة الهزيمة (بقلم غريب المنسى) بالرابط التالى www.ouregypt.us

    و المقال يتحدث عن بطولات أحمد شفيق الوهمية و جلاد التعذيب الدولى عمر سليمان

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً أخى/أختى غير معرف على تذكيرنا بهذه الحقائق وتنبيهنا لخطورتها الشديدة لما يمثله حسن أو إساءة اختيار رئيسنا القادم على مستقبل مصر.

      حذف
  3. الأخ الفاضل: أ/ محمد نبيل
    أحييك على هذا الطرح القيم والهادف
    وعلى هذا المجهود الواضح فى عرض الفكرة وتوضيحها وتقريبها إلى الأذهان
    تقبل أخى خالص التقدير والاحترامى
    وجعل الله عملك هذا فى ميزان حسناتك
    بارك الله فيك وأعزك

    ردحذف
    الردود
    1. كم افتقدك أنا ومدونتى المتواضعة أخى الحبيب أ/ محمد الجرايحى.

      الشكر الجزيل لك أخى على عمل رابط لهذه التدوينة فى منتداك الراقى.

      أسأل الله أن يرزقنى وإياك الإخلاص فى أعمالنا وأن يتقبلها منا بفضله سبحانه.

      بارك الله فيك أخى الحبيب.

      حذف
  4. الردود
    1. أسأل الله أن ينفع به ..
      أشكرك كثيراً خالد على مرورك الكريم.

      حذف
  5. السلام عليكم..
    موضوع جميل ورائع ومتميز.
    جزاك الله خيرا وبارك فيك وفي فكرك وقلمك ونفعنا بما نتعلمه هنا.
    تقبل تحياتي..

    ردحذف
  6. أسأل الله حقاً أن يجعل ما أكتب فى مدونتى مفيداً بالفعل فى تقديم شىء لمن يقرأها.

    أشكرك أخى بهاء.

    ردحذف
  7. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الاخ القدير محمد نبيل

    جزيت خيراً على هذا الطرح الرائع

    نسأل الله السلامة لمصر وان يولى عليها من يتقي الله فيها

    دمت بكل خير
    زهرة

    ردحذف
  8. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

    اللهم ولِّ أمورنا خيارنا .. ولا تولِّ أمورنا شرارنا ..
    واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك .. واتبع رضاك.

    مرحباَ بك أختى العزيزة زهرة ..
    وجُزيت كل خير.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه