الاثنين، 7 مايو 2012

الدافع والدافعية.. علامَ اتفقا ؟ وفيمَ اختلفا ؟ ج2

رابط الجزء الأول

ويمكننا أن نفهم معنى كلمة الدافع من اللفظ ذاته ( وهو فهمى الخاص ) ..

فالدافع هو شىءٌ ما يدفعك دفعاً باتجاهٍ مُعُيَّن , وبذلك فإن الدافع هو مؤثرٌ خارجىٌ بحت .. ولكنه يُولِّدُ داخل النفس حالةً شعوريةً - لم تكن موجودً من قبل - تدفع الإنسان نحو سلوكٍ معينٍ كردة فعلٍ لهذا الدافع .. تستمر باستمراره وتنتهى بانتهائه.




وهذا السلوك المدفوع يختلف ويتفاوت من شخصٍ لآخر بحسب عدة عوامل تؤثر فى درجة وكيفية استجابة الانسان للدافع وتفاعله معه وهى :

- الثقافة الشخصية.
- درجة الوعى والإدراك.
- المستوى التعليمى.
- البيئة والظروف المحيطة بالإنسان.
- المرحلة العمرية.
- زمن ووقت ومكان التعرض للدافع.
- مدى وجود عوامل أو دوافع أخرى خارجية أو من داخل الإنسان ذاته .. سواء فى نفس اتجاه الدافع فتدعمه وتزيد من فاعليته , أو فى اتجاهٍ مضادٍ له فتواجهه أو تقلل من تأثيره.

ويمكن تصنيف الدوافع الخارجية - وفقاً لمصدرها - إلى صنفين .. وهما :

1- تصريفات الخالق فى شؤون خلقه .. وهى الأقدار التى يُقَدِّرُ اللهُ أن تقع عليك دون أدنى تدخلٍ منك فى إحداثها أو بأخذ رأيك فيها , وبدون أسبابٍ ظاهرةٍ فى كثيرٍ من الأحيان ( إلا فى علم المُسبِّبِ وحده عز وجل ) مثل مرضك وشفائك أو رزقك بمولود - ذكرٍ أو أنثى -  أو وفاة شخصٍ تحبه أو عثورك على كنزٍ لم يكن فى الحسبان أو الكوارث الطبيعية وما إلى ذلك.

2- تصرفات الخلق وأفعالهم التى يتخذونها تجاهك .. وهى أيضاً من أقدار الله التى يجريها على خلقه .. ولكن بأيدى بعض خلقه , والتى ( كما أراها ) تنقسم إلى أربعة فروع :

   أ- فقد تكون جبرية بالكامل تقع لك أو عليك دون أدنى اختيارٍ منك أو أى إعدادٍ مُسبقٍ لها أو ترتيبٍ لأحداثها وما يترتب عليها ..
كأن تتعرض لحادث سطوٍ على منزلك من لصٍ لا تعرفه ولا يعرفك أصلاً .. أو أن يتم القبض عليك ظلماً بسبب وشاية مغرضةٍ عن مكانٍ ما تصادف وجودك فيه وقت مداهمته.

   ب- وقد تكون اختيارية نسبية .. إنها ردة فعلٍ من الآخرين بناءً على سلوكٍ سابقٍ منك أونتيجةً لأخذك بالأسباب بما يؤثر فى حياتك بشكلٍ مباشر .. فيكون اختيارك وفعلك أنت هو الأساس والسبب فى ردة فعل الآخرين ( التى لا تعرفها ولا تتوقعها ) والتى ترتد إليك  بنتيجةٍ مؤثرةٍ - بصورة أو بأخرى - فى حياتك  .. 

وذلك كأن يصدر قرارٌ بترقيتك فى وظيفتك .. سواء بسبب جدك واجتهادك أو بسبب الوساطة والمحسوبية .. وكلاهما عملٌ قمت به - بغض النظر عن مشروعية الثانى - أدى إلى دفع رؤسائك إلى اتخاذ قرار ترقيتك ( ردة فعلٍ من جانبٍ آخر ) كانت له نتيجةً مباشرة مؤثرةً فى حياتك .. فى الوقت الذى يمكن أن يراك فيه أحد رؤساء العمل بأنك إنسانٌ منافقٌ أو وصولى أو أنه لا يستسيغك .. مما يدفعه إلى الوقوف حجر عثرة فى طريق ترقيتك !

وكذلك كأن يتم قبولك من فتاةٍ ترغب بشدةٍ فى الارتباط بها والزواج منها بعد رفضك مراتٍ عديدة .. فأنت هنا اخترت الزواج من تلك الفتاة ولكنها لم تكن لتوافق - بعد إرادة الله وتقديره - إلا بسبب دفعك لها بسعيك وإصرارك أنت .. مع وجود احتمال أن تظل رافضةً إلى الأبد .. وهنا لا يكون لاختيارك ودفعك أية قيمة , وتكون النتيجة هى انشغالك وتأخرك وتعطل بعض أمور حياتك.

ومن ذلك أيضاً أن تشتهر بين الناس بأعمال البِرِّ والخير - سواء بإخلاصٍ أو رياء - وهو ما يدفع بعض الناس إلى التعامل معك باعتبارك إنساناً صالحاً وترتب على ذلك أن صارت لك مكانةً بينهم .. فى ذات الوقت الذى كان فيه نفس الأمر دافعاً لآخرين إلى الشعور بالحسد والحقد عليك بسبب هذه المكانة وهو ما يدفعهم باستمرارٍ إلى الكيد لك !

إذاً .. فالمسألة هنا نسبيةٌ تماماً ولا تخضع لأية معايير مُحددة أو قوانين ثابتة .. فأنت صاحب الفعل الأصيل الذى استوجب رد فعلٍ من الآخرين لا تستطيع التنبؤ به , ولكنه دفعك دفعاً باتجاه مسارٍ مُحَدَّدٍ لحياتك.

   ج- اختيارية مشروطة أو سببية .. وهو الاختيار الواقع تحت شرط تعرضك لضغطٍ ما أو إغراءٍ شديد " قد " يكون سبباً فى دفعك لاتخاذ مسلكٍ معين .. كأن يدعوك شخصٌ ما إلى شرب ماءٍ باردٍ فى يومٍ استثنائىٍ شديد الحرارة وأنت صائمٌ وتشعر بعطشٍ شديد .. فأنت هنا بين أمرين .. فإن لبيت دعوته وشربت الماء .. فقد أضعت على نفسك الخير الكثير , وإن لم تلبِ دعوته وأكملت صومك فلك الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله , وأنت هنا لم تفكر أصلاً فى أمر الحر والعطش ولم تقع تحت حيرة الاختيار أصلاً إلا بسبب تعرضك المفاجىء لهذا الضغط الإغرائى الشديد.

   د- وآخرها أن تكون اختيارية بالكامل .. وهى تندرج - فى تمام اعتقادى - تحت الدافعية الذاتية التى لا علاقة مباشرة لها بغيرك من البشر .. تأثراً بهم أو تأثيراً فيهم .. كأن تنفرد بنفسك لأحد غرضين .. فإما أن تقوم وتصلى وتذكر الله وتدعوه وتبكى بين يديه , وإما أن تعصيه وتنتهك محارمه بعيداً عن أعين الخلق .. فى الوقت الذى تراك فيه عين خالق الخلق !!!

ويمكن لأى إنسانٍ أن يتعلم - بل ينبغى له ذلك - كيف يتعامل مع مثل تلك الدوافع التى التى لا مفر من أن يقابلها في حياته ويتدرب على كيفية تحقيق أكبر إستفادةٍ منها إن كانت دوافع إيجابية , أو كيفية مواجهتها والتغلب عليها إن كانت دوافع سلبية.

وهناك ثلاث وسائل رئيسيةٍ ومناهج تدريبية أساسية يتدرب الإنسان من خلالها على التعامل مع تلك الدوافع - رغم كونها دوافع فى حد ذاتها - وهى :

1- المنهج الربانى الحق ( الإسلام بالنسبة لنا كمسلمين ) وهو الدافع الأعظم الذى نحيا به الحياة والذى وضعه الله للقيام بمهام ومتطلبات خلافته فى الأرض ودفعنا به نحو عمارتها على أكمل وجهٍ يرضيه , وعَلَّمَنا من خلاله كيف نتعايش مع دوافعها التى تقع علينا ونواجهها فى حياتنا ( أحداثها وابتلاءاتها ) وكيف نتعامل مع كل من يحيونها معنا ويشاركوننا العيش فى هذا الكون الفسيح بكل ما فيه من البشر والكائنات والأشياء  .. ما نعلمه منها وما سنعلمه عنها وما سنحيا ونموت ولا نعلم عنه شيئاً إلى يوم القيامة.

وهذا المنهج الربانى هو دافعٌ استباقىٌ يؤهلك لمواجهة أحداث الحياة قبل حدوثها بحلاوتها وقسوتها .. بأفراحها وأتراحها .. بنجاحاتها وإخفاقاتها. 

2- مدرسة الحياة وما تحفل به من الخبرات المتراكمة التى مرت بك فى التعامل مع مُختلف الدوافع التى تعرضت لها على مدار حياتك كلها وأثرت فى تكوينك وتشكيل هذه الحياة بدءً من طفولتك.

وهى دافعٌ لاحق .. أى أن أمراً ما قد حدث لك أولاً .. فدفعك لاتخاذ قرارٍ أو موقفٍ بعينه .. فتعلمتَ منه ( لاحقاً بعد حدوثه ) - بتجربتك الشخصية - كيف تتعامل مع مثله إذا واجهت مثله مرةً أخرى فى بقية عمرك.

3- المحاكاة .. وهى أن أحاكى نموذجاً ما , وذلك بتخيل وافتراض أنك تتعرض لبعض الدوافع ( إيجابية أو سلبية ) التى مرت بغيرك من الناس وعايشتها أو قرأتها أو سمعت عنها , والتعرف على كيفية تعاملهم معها .. فتأخذ مما أجادوه و تتجنب ما أخفقوا بسببه.

وهى دافعٌ استباقىٌ أيضاً ( بالنسبة لك ) .. فالمحاكاة تعبر عن أمرٍ حدث بالفعل , ولكن لشخصٍ آخر .. فدفعه لاتخاذ موقفٍ بعينه ( صواب أو خطأ ) .. فتعلمتَ منه كيف تأخذ الاحتياطات اللازمة ( قبل حدوثه ) فى التعامل مع ذلك الدافع ( إيجاباً أوسلباً ) إذا ما واجهت مثله فى حياتك المستقبلة.

" فلا شىء أعظم وأعمق أثراً من إدراك الإنسان أن شخصاً آخر استطاع تحدى المعاناة والظروف , وأنه يجسد ويعبر عن قيمة تُلْهِمُ حياة الآخرين وترتقى بها "

عموماً .. هذا اجتهادى ورأيى ومفهومى لمعنى " الدافع " وما يحيطه من معانٍ قد تغيب عن كثيرٍ ممن يبحثون عن النجاح والتميز.

ربما غابت عنى بعض الجوانب فى معنى " الدافع " .. ولكن هذه هى طبيعة النقص الذى لا بد أن يعترى أعمال البشر.

ورغم كل ما ذكرناه .. فلن تكتمل الصورة إلا بفهمنا لمعنى " الدافعية " ..
وهو موضوعنا القادم إن شاء الله.

رابط الجزء الأول

هناك 5 تعليقات:

  1. جزاك الله خيرا اخى على المعلومات الطيبة
    استفدت كثيرا منها بارك الله فيك

    تحياتى المتجددة لك
    دمت بخير

    ردحذف
    الردود
    1. أحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركً فيه كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه أن هناك من استفاد مما كتبته.

      إنك تثلجى صدرى كثيراً بتعليقاتك الطيبة أختى ليلى.
      بارك الله فيك.

      حذف
  2. محمد شكرا لتبسيط المعلومة و السّعي الى الافادة

    صاحب الزمن الجميل

    ردحذف
    الردود
    1. أسعدنى مرورك الطيب منجى ..
      شكراً لك.

      حذف
  3. السلام عليكم..
    مجهود عظيم لتبسيط المعلومة.. أحييك عليه.
    جزاك الله خيرا..

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه