الجمعة، 1 يونيو 2012

سيكولوجية العبيد

" العبيدُ هُمُ الذين يهربون من الحرية .. فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيدٍ آخر ، لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية .. لأن لهم حاسة سادسة أو سابعة .. حاسة الذل .. لابد لهم من إروائها ، فإذا لم يستعبدهم أحد .. أحست نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد ، وتراموا على الاعتاب يتمسحون بها , ولا ينتظرون حتى الاشارة من إصبع السيد ليخروا له ساجدين ..


صورة للذكرى .. لن نسمح بعودتها

العبيد هم الذين إذا أُعتقوا وأُطلقوا .. حسدوا الارقاء الباقين فى الحظيرة .. لا الاحرار المُطلقى السراح ... 

لأن الحرية تخيفهم , والكرامة تُثْقِلُ كواهلهم ..

العبيد هم الذين لا يجدون أنفسهم الا فى سلاسل الرقيق , فإذا انطلقوا .. تاهوا فى خضم الحياة وضلوا فى زحمة المجتمع وفزعوا من مواجهة النور وعادوا طائعين يدقون أبواب الحظيرة ويتضرعون للحراس أن يفتحوا لهم الأبواب ..

والعبيد - مع هذا - جبارون فى الأرض .. غلاظٌ على الاحرار .. يتطوعون للتنكيل بهم ويتلذذون بإيذائهم وتعذيبهم .. ويتشفون فيهم تشفى الجلادين العتاة .. إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر ، فيحسبون التحرر تمردا والاستعلاء شذوذاً والعزة جريمة ، ومن ثم يصبون نقمتهم الجامحة على الأحرار المعتزين الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق "

إنها كلماتٌ أكثر من رائعة على شدة خطورتها ومقدار الألم الذى خلفته فى نفسى - وأعتقد فى نفوس كل من يقرؤها - ومقدار عمق المأساة التى يعانيها أولئك العبيد الذين نجح المفكر الاسلامى سيد قطب فى تشخيص حالهم باسلوبٍ مؤثرٍ فريد.

وقد اجتهدتُ فى وصف هذه الحالة الانسانية الشاذة .. التى اكتشفت - للأسف - انتشارها بين الكثير من أبناء وطننا العربى الكبير .. والتى أرى أنها تخالف الفطرة الربانية السليمة المبنية على أساس الحرية الكاملة فى الاعتقاد وفى الأقوال والأفعال .. إلا ما أراد الله تقييده بحكمته المطلقة , فلم أجد لفظاً يمكن أن يعبر عن هذه الحالة بكل دقة أفضل من " سيكولوجية العبيد " ..

كما اجتهدتُ - بفضل الله - فى توصيفها فوجدت أنها مجموعةٌ من السلوكيات الإنسانية - والحيوانية كذلك - والتى أفرزتها مجموعةٌ متجانسةٌ من المؤثرات المتنوعة .. كالغرائز والدوافع والتعلم والخبرات الحياتية المختلفة والبيئة المحيطة بثقافاتها المتداخلة .. والتى تُشكل بدورها سلوكاً جماعياً أو اتجاهاً اجتماعياً يسود أو يسيطر على نسبةٍ من قاطنى تلك البيئة.

وخير دليلٍ يُصَدِّقُ على كلمات سيد قطب هو ما قاله شقيقه .. الأستاذ محمد قطب عندما تحدث عن العبيد الذين تحرروا فى الولايات المتحدة على يدى الرئيس الأمريكى ابراهام لينكولن حيث قال : " إن التحرير بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق ! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد إبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول ، فالعبيد الذين حررهم لنكولن - من الخارج - بالتشريع .. لم يطيقوا الحرية ، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيداً لديهم كما كانوا ، لأنهم - من الداخل - لم يكونوا قد تحرروا بعد ".

قد أفهم أن يعانى بعض من تعرضوا لتعذيبٍ جسدىٍ أو نفسىٍ شديد من بعض أعراض متلازمة ستوكهولم , والتى تجعل الشخص المتعرض للتعذيب - فى بعض الأحيان - يتعاطف مع جلاده أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه , ولكن يصعب علىَّ فهم أن يستسلم البعض لظهور هذه الأعراض عليه وهو بكامل وعيه وبمحض إرادته , ولكن ..

مع الأسف تنشط هذه الظاهرة فى المجتمعات التى تحكمها أنظمةٌ قمعيةٌ تستمر لفتراتٍ طويلةٍ دون امتلاك سلطةٍ شرعيةٍ حقيقيةٍ نابعةٍ من أغلبية الشعب , فتصبح وسيلةً ضاغطةً على أفراد المجتمع , فتنمو علاقة الخوف من النظام بداخل الأفراد , فيصبح المجتمع - بشكلٍ عام - ضحية النظام.

وبمرور الوقت .. يدرك النظام هذه الحالة حتى يتقن لعبة ابتزاز المجتمع , فيعتاد الشعب على القمع والذل لدرجةٍ تجعله يخشى التغيير وإن كان للأفضل , فيتحول بعض أفراد المجتمع إلى مدافعين عن النظام القمعى , ويذكرون محاسنه القليلة جداً دون الالتفات إلى مظاهر القمع ومفاسده الكثيرة.

فياحسرتى على قومٍ لم يحيوا حياة الحرية .. فلم يشعروا بلذتها .. فلم يعرفوا قيمتها ولم ينزلوها قدرها ..

وياحزناه على قومٍ لم يقدروا قيمة الاعتماد على الذات ..

لأنهم اعتادوا العيش فى الملذات المُذلات.


نعم .. 

والله إنى لآسفُ على قومٍ يهرولون نحو أسيادهم السابقين ..

يتبرأون لهم ممن حرروهم ..

يطالبونهم حثيثاً بأن يعودوا ليخلصوهم من أولئك المحررين ..

يرجونهم أن يَقْبَلوهم عبيداً يُقَبِّلون أقدامهم ..
  
والمصيبة العجيبة ..

أنهم ينتظرون بشغفٍ مجنون تلك الساعة التى ينتقم فيها أسيادُهم من محرريهم ..

والأشد عجباً ..

أنهم جعلوا من أنفسهم أداةً فى أيدى أسيادهم للتنكيل والتشفى من أناسٍ ضحوا من أجلهم بكل شىء , ولم يضنوا فى سبيلهم بأى شىء ..

أناسٍ لم يحبوا أنفسهم .. قدر ما أحبوا لهم الحرية !!!

عسى اللهُ أن يُسمع كلماتى هذه لأحد أولئك العبيد .. فيحييه بها من جديد.

ولكن حتى تكتمل الصورة .. فلا بد من النظر من الجانب الآخر .. جانب سيكولوجية الاستعباد.

محمد نبيل

هناك 16 تعليقًا:

  1. العبيد

    هم من يصنعون فرعونا ولاضير ان يستعبدهم

    ويرضون بأقل القليل مقابل حياتهم فقط في ظل فرعونهم

    ردحذف
    الردود
    1. أحياناً أفكر بعمقٍ فى مقولة المناضل المصرى الكبير / مصطفى كامل " ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط " وأتساءل .. هل حقاً لم يكن ليستحق الوجود فى الحياة أصلاً ؟!

      ولكنى أجيب على نفسى ..
      لولا وجود أمثال هؤلاء .. لما وجد المصلحون عملاً يقومون به.

      تحياتى لك أخى العزيز خالد.

      حذف
  2. صدقت أخي
    اعتادوا علي العبوديه
    و استحبوا اغلالها
    ولما جاءت الحريه
    قيدوا ايديهم بأيديهم

    ردحذف
    الردود
    1. حقاً إنه لشىءٌ يدعو إلى الدهشة الشديدة .. أليس كذلك ؟
      شكراً لمشاركتك الكريمة أختى كارولين.

      حذف
  3. شخصيا قدر جربت هذا الصنف من الناس على مستوى العلاقات الشخصية ذاك الشخص الذي يستلذ بخدمة الأخرين ويحارب كي يكون تابع لا رأي له ولا إرادة..

    لقد أوجعتنا الكلمات اخي محمد
    وقتلتنا
    لا أتمنى ان يصل بنا الحال لنصف أنفسنا بالعبيد
    وأن نتعود العبودية ونبحث عنها
    ونبحث بمثابرة عن من يستعبدنا
    ويقيد حريتنا
    ويقتل رؤيتنا وارادتنا

    مقال موجع
    واتت كلمات سيد قطب رحمه الله دقيقة في وصف الحالة التي نعيشها في هذه
    اللحظة بالذات وكأن اللحظة ممتدة منذ عهده حتى عهد كتابة مقالك الآن

    أشكر احساسك بالمسئولية اتجاه وطنك
    وشعبك
    وامتك الاسلامية
    كل الود

    ردحذف
    الردود
    1. صحيحٌ أختى زينة أن هذه الكلمات موجعة لأنها أتت كالملح على جرحٍ عميق ..
      ولكنى لم أكن أقصد أن نقتل بها أنفسنا ..

      إنما هى محاولة أردت أن يحيى الله بها ولو نفساً واحدة.

      حذف
  4. أخي محمد اود اضافة كلمة بسيطة
    أتمنى تقبلها

    " مدونتك من المدونات المتميزة جدا في صدقها وعرض الحق والخير ولك أسلوب مأثر في العرض .. كلمة صدق لا مجاملة"

    تحيتي

    ردحذف
    الردود
    1. والله يا أختى ..
      على قدر ما أسعدتنى كلماتك الطيبة ..
      على قدر ما أشعرتنى بالمسؤولية بأن أجتهد قدر استطاعتى فى أن أعرض الحق والخير , وأن أكون صادقاً فى ذلك بعون الله.

      جزاك الله خيراً أختى العزيزة زينة.

      حذف
    2. سر على بركة الله
      بوصلتك مضبوطة على الاتجاه الصحيح

      بالتوفيق

      حذف
  5. السلام عليكم...
    واضح جدا...
    واضح مدى الانفعال الشديد الذي تعانيه أخي مما أصاب البعض من أبناء وطننا من رضا بالذل والعبودية وانحياز لها على حساب الحرية...
    واضح مدى حسن اقتباسك لكلمات سيد قطب... التي جاءت في مكانها...
    واضح جدا مدى غضبك الشديد وحدتك وانفعالك على أولئك القوم...
    صراحة أحسدك عليها.. وحدة ربما نكون بحاجة إليها في هذه الظروف..
    جزاك الله خيرا..
    اللهم علينا النداء والتبليغ وعليك التكلان..
    وفي النهاية أقول: "أليس الله بكاف عبده"
    تقبل تحياتي..

    ردحذف
    الردود
    1. أخى بهاء ..
      هل تعلم أن دموعى كانت تنساب بتلقائيةٍ غريبة وأنا أتابع نتائج الانتخابات ؟!

      نعم أخى ..
      إنه خليطٌ من أحاسيس الحزن والاحباط والألم والغضب والدهشة و..... أشياء كثيرة قد لا أستطيع وصفها.

      وعلى الرغم من ذلك .. فأنا على ثقةٍ ويقينٍ لا يتزعزع بالله فى أنه سيقدر لنا الخير.

      كل الشكر لك أخى.

      حذف
  6. أخي نبيــــلْ ..

    سعيدةٌ لأن أزمة اختباراتي قد انتهت ،
    و أتاحت لي فرصةَ معادةِ التجوّلِ ها هنآا ..

    بدايةً ،
    شجعتني على أن أبدأ بالقراءة لسيد قطب ،
    قرأتُ كتاب "أيام من حياتي " لزينب الغزالي الجبيلي " ،
    و تألمت من الحقائق التي ذكرتْ فيه ،
    و كنتُ قد نسيتُ وعدي لنفسي بالبدء في القراءة لسيد قطب " في ظلال القرآن " ، و غيره ،
    فأتى اقتباسكَ هنآا لي ناقوسًا حسنا ،

    العبيــــــــد ،
    قد نمارسُ العبوديةَ و نحن لا ندري في حياتنا اليوميّة ،
    البعضُ يتوقف و البعض يساير " الاعتياد " الذي خلق عليه .

    أوتعرف ؟
    بقدر ما هي رآائعة كلمات سيد قطب فقد جاءت مؤلمة ،
    تحزُّ في النفس مبلغًا عظيمًا ،

    بقدرِ ما قرأت و شاهدت عن الانتخابات المصرية خاصةً – و غيرها - ،
    فقد جاء وصفكَ و تعبيركَ للأمرِ بمدلولٍ مختلفٍ ،
    و من ناحيةٍ لم يتسنَّ لكثيرينَ النظر إليها ،
    و التفرُّغُ للنظر إلى القضيةِ بمنظرٍ مختلفٍ قليلًا ،
    ابتعادًا عن منحى الشجب و التنديد ،
    و ابتعاجًا عن الكلماتِ الجارحةِ المباشرة ،

    الحقيقة يجب ألا تجرح ..
    و إن هي جرحت فهي كمشرطِ الطبيب ، هدفها العلاج ..
    يتوجَّب علينا عدم التنكر للحقيقة ،
    باعتبارها مأساوية ،
    علينا التعايش معها و إصلاحها ..

    ما زال هناك أملٌ ،
    و أملنا بأن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ..

    لكن متى يبدأ التغيير ؟؟
    و متى و متى ؟؟
    أسئلةٌ كثيرةٌ ستبقى معلقة !!
    لكن ..
    سيكونُ لنا معها لقاء ذات يومٍ ؛
    لنجيبها ،
    كلها ..

    بإذنِ الله ,,

    اللهم احفظ مصر و شعبها ،
    اللهم و احفظ سائر المسلمين من كلّ شر ،
    اللهم و بلغنا نصرًا قريبًا ،
    يثلج الصدور ,,
    اللهم آميـــــنْ ..

    دمتَ بأملٍ أخي ،

    تحيآاتي لكْ ..

    ردحذف
    الردود
    1. أهلاً بك دائماً دعاء الصغيرة الكبيرة ..

      أولاً تمنياتى لك بالنجاح والتوفيق والتفوق فى امتحاناتك.

      حقاً دعاء ..
      " إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم " .. صدق الله العظيم.
      لقد حاولنا - ولا زلنا - أن نغير من أنفسنا ..
      والله شهيدٌ علينا ..
      لذا ..
      فيقينى راسخٌ بأن الله لن يضيع محاولاتنا هباءً.

      حذف
  7. واقع مرير نعايشه الأن

    ردحذف
    الردود
    1. مع الأسف.. الله المستعان
      سعدتُ بمرورك الكريم

      حذف
  8. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه