الجمعة، 29 يونيو 2012

طلبُ المُلْكِ فريضة !

لو ترك " الفاسدون المفسدون " المُلكَ طواعيةً لمن يرغبون " الصلاح والإصلاح " .. لاستقام الأمر واستقرت الحياة بمنتهى اليسر والسهولة ولم يعد هناك أى مبررٍ لقيام الثورات أو لحدوث الصراعات أو لإسالة الدماء ..

ولكن المشكلة تكمن فى أن هؤلاء " الفاسدون المفسدون " يستمتعون بفسادهم أيما استمتاع .. لذا .. فهم لن يتنازلوا مطلقاً عن سلطانهم ومفاسدهم طواعيةً لل " الصالحين المصلحين " ..


وحيث أن " الصالحين المصلحين " لن يرضوا - بالتأكيد - عن استمرار الفساد والافساد فى ذات الوقت الذى لن يتنازل فيه المفسدون عن فسادهم وإفسادهم اللذان يستمتعان بهما ..


فلا مفر من أن تحدث بينهما مواجهةٌ حتميةٌ .. تكون قوتها بحسب درجات قوة الأطراف المتصارعة ومدى إيمان كل طرفٍ بمبادئه واستعداده للتضحية فى سبيلها واصراره على تحقيق أهدافه مهما كانت شدة الإغراءات أو قوة المواجهات ..


إنها المواجهات الحتمية بين الحق و الباطل .. بين الخير و الشر .. بين الصلاح و الفساد .. بين رسل الاصلاح و دعاة الافساد .. 
إنها سنة الحياة والناموس الالهى الذى يحكم البشر منذ خلق الله آدم عليه السلام ..

المهم فى النهاية هو أنه .. لن يصح إلا الصحيح .. لأن أصحاب الحق لن يتنازلوا أبداً عن احقاق الحق الذى يحملون لواءه , وإن تعثرت خطواتهم أو طال نضالهم.

وبالتأكيد .. وحتى يحقق دعاة الحق وأصحاب المبادىء مرادهم ..
فلا بد وأن يسعوا إلى بناء قوةٍ يواجهون بها أصحاب الباطل , وإلا فكيف لهم أن يحققوا أهدافهم ؟!
وتشتد الحاجة إلى المواجهة كلما عَمَّ الفساد , والذى لا يعم إلا بما كسبت أيدى الناس كما أخبرنا ربنا فى قرآنه الكريم.

ولمقاومة الفساد وأصحابه .. فمن البديهيات من وجود قوةٍ مُقَاوِمَةٍ تتناسب طردياً مع حجم  ذلك الفساد ومدى انتشاره ومقدار تغلغله فى البيئة المراد تغييرها ..
قوة تحمى أصحاب الحق وتحملهم - ليس فقط إلى النصر - وإنما إلى التمكين ..
التمكين الذى يعنى ببساطةٍ شديدة .. السلطة.

وعلى مر التاريخ .. لم يكن للناس أن تزول مفاسدهم وتنصلح أحوالهم أو ينتقلوا إلى التغيير الحقيقى الكامل من تلقاء أنفسهم , فمن سنن الله فى البشر أن جعل منهم قادةً ( وهم فى حدود 2% من البشر طبقاً للدراسات الاجتماعية ) ومقودين ( جموع الشعب ) .. فلا يكون التغيير الحقيقى فى أى مجتمع إلا بواسطة شخص .. إنه القائد المُمَكَّن الذى يقود الناس نحو التغيير .. بصرف النظر عن صحة اتجاه ذلك التغيير.

وأعظم قادة البشرية على الإطلاق .. هم رسل الله وأنبيائه الذين كان يرسلهم - سبحانه وتعالى - لهداية الناس وانتشالهم من ظلمات الجهل .. إلى نور المعرفة , ومن طرق التيه والضلال .. إلى طريق الحق والنجاة , ومن ضيق النفس البشرية .. إلى سعة فضل الله ورحمته , ومن عبودية العباد وذلهم .. إلى عبودية رب العباد وعزته.

وهنا أود توضيح المسألة لمن يعيبون على من يسعى إلى مَنْصبٍ أو سلطةٍ دنيويةٍ ويصفونه بأنه طالبٌ للدنيا طامعٌ فى ملذاتها , ويقولون بأن الله وحده هو الذى يؤتى مُلكه من يشاء , وهو أمرٌ لا جدال فيه ولا ريبة ..
إلا أنى أختلف مع قول البعض بأن الله يؤتى مُلكه لأحد عباده دون أن يتقدم لطلب السلطة أو يسعى لنيلها على الاطلاق .. 
وعلى الرغم من أنه أمرٌ واردٌ طبعاً .. إلا أنه ليس قاعدةً حتميةً ثابتةً لا يجوز المساس بها ..
والخلاصة أنه عندما يوافق سعى طالب المُلك مراد الله .. فعندها ينال المُلك , وعندما لا يوافق سعيه مراد الله .. فعندها لا ينال المُلك , وهذا ما يظهر جلياً فى أحداث انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة , والتى يظهر فيها واضحاً تدبير الله الذى حقق مراده سبحانه. 

وفى تاريخنا الرائع .. كلنا يعلم بأن هناك اثنين من أعظم الشخصيات فى التاريخ قد طلبا المنصب وسعيا إلى نيل السُّلطة برغبتيهما , ولا يستطيع أحدٌ أن يدَّعى أنهما كانا يسعيان إلى السلطة لغرضٍ دنيوىٍ بحت .. حيث أن الدنيا جزءٌ لا يتجزأ من ديننا الاسلامى العالمى ..

الشخصية الأولى .. سيدنا يوسف عليه السلام حينما قال للملك : " اجعلنى على خزائن الأرض , إنى حفيظٌ عليم " , وهو هنا قد أوضح لنا شرطين هامين لا غنى عنهما لطلب السُّلطة وهما .. الأمانة ( حفيظ ) و العلم ( عليم ) ..

الشخصية الثانية ... هو سيدنا عمر بن عبد العزيز ( خامس الخلفاء الراشدين ) الذى قال ما معناه : ( إن لى نفساً تواقة , تاقت إلى إمارة المدينة المنورة , فلما نلتها تاقت إلى الخلافة , فلما نلتها تاقت إلى الجنة ) , وهو هنا قد وضع لنا شرطاً آخر من شروط طلب السلطة وهو .. مشروعية الطموح إلى أن يصل لأعلى درجاته فى الوصول إلى سُدَّةِ الحكم ( الخلافة ) ..

وبعد اضافة الاخلاص إلى الأمانة و العلم و الطموح .. تتشكل الرباعية الأهم و الأساس الاسلامى الواجب وجوده للسعى إلى نَيْلِ " المُلْكْ " .. ولكن بحقه ..
حقه الذى أخبرنا به سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز حين قال : " الذين إن مَكَّنَّاهم فى الأرض .. أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر , ولله عاقبة الأمور " .. 
فلا بد للحق من أهلٍ له يدافعون عنه , ولا بد لإقامة العدل من قوةٍ تكفله وتضمن تحقيقه.

فليست العبرة بمجرد السعى إلى المُلك .. إنما العبرة ب ..
- النية ( الهدف ) الذى نسعى لتحقيقه عن طريق المُلكِ إذا ما وصلنا إليه.
- مدى توافق هذا الهدف مع مُراد الله من وجودنا فى الحياة.
- درجة الاخلاص لله فيما نسعى إليه .. علماً بأن الله وحده هو من يتولى السرائر.

ولكل ما سبق .. فإنى أرى أن طلب السلطة والسعى إلى نيلها فريضة على كل من يرى فى نفسه القدرة على حمل الأمانة والأهلية لنيلها والصلاحية للقيام بمهامها طالما أن نيته - الظاهرة على الأقل , والله يتولى السرائر  - خالصةً لله فى اقامة الحق والعدل .. لا أن يتركها لمن هو ليس لها بأهل أو لمن يطلبها لذاتها أو يسعى إلى مجرد نيل شرفٍ أو جاهٍ أو سلطانٍ دنيوىٍ بحت

إنها مسؤوليةٌ واجبةٌ لا يجوز الفرار أو التهرب منها - فضلاً عن السعى إليها - فى ظل انتشار وعموم الفساد فى المجتمع بما يعملعلى تشويه صورة الحق وأصحابه وبما يؤدى إلى عدمِ تَبَيُّنِ الخبيث من الطيب أو الصالح من الطالح.  

وإنى أرى أن كل من يعلم فى نفسه الكفاءة والأمانة , فإنه يأثم إن لم يتقدم لولاية الأمر ( إذا كان متاحاً ) .. خاصةً إذا كان يعلم أن بقية المتقدمين ( الساعين إلى السلطة ) لا تتوافر فيهم الشروط الواجب توافرها فى ولى الأمر.

ومن هذا المنطلق , وحيث أن مقاومة الفساد - دون جدال - واجبٌ شرعى .. فإن السعى إلى التمكين " السُّلطة " - لمقاومة ذلك الفساد - أوجب .. وبالتأكيد فإن أعلى مقامات السلطة والتمكين هو " المُلك " .. لذا فإن .. " طلب المُلْكِ فريضة ".

إخوتى وأخواتى .. 

علينا أن نتبنى ثقافة طلب الملك والسعى إلى السلطة ( بحقها ) وأن ننشرها بين الناس باعتباره واجبٌ شرعى .. ليحل محل مفهوم الزهد غير الواعى وغير المبرر فى السلطة والذى يمكن أن يؤدى إلى تمكين من هو ليس أهلاً للأمر.

أبشروا واطمئنوا إلى تدبير الله وسنته فى كونه ورحمته بعباده ..

كونوا على يقينٍ بنصر الله المبين , والتمكين لمن طلب المُلكَ أو السلطةَ أو الإمامةَ .. ولكن بحقها. 

هناك 11 تعليقًا:

  1. السلام عليكم...
    شدني العنوان.. فقد نجحت في ذلك بامتياز..
    أتفق مع طرحك الطيب وأرى أنه جاء في الوقت المناسب.
    تقبل تحياتي...

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      سعيدٌ بنجاحى فى جذبك لقراءة التدوينة ..
      وسعدتُ أكثر بكوننا متفقيْن.
      شكراً أخى.

      حذف
  2. على حسب ما اعلم فان سيدنا عمر بن عبر العزيز لم يكن طالب خلافة في اي يوم من الأيام، بل جاءته و هو ليس من بيت عبد الملك ؟ بن ابن عمهم، بكى يوم ولاه سليمان بن عبد الملك و قال ثلاثا : فعلتها يا سليمان, و زاد ان استحل بيعة اهله من الخلافة و طلب منهم احتيار خليفة لهم من غيره،لكن الحاجب نهره و ذكره ان الوصية يجب ان تنفذ .... المهم

    موجهة الشر و الخير نهايتها للشر ما لم يكن الخير متسلحا بدينه و متترسا بربه

    بوركت

    ردحذف
    الردود
    1. من المعروف أن سيدنا عمر بن عبد العزيز كان مُنَعَّماً ومُترفاً قبل توليه الخلافة , ولم يصبح زاهداً إلا بعد توليه الخلافة.

      ولقد وردت هذه المقولة عنه بالفعل ..

      ومنها نتبين أنه (رضى الله عنه) - بنفسه التواقة - قد تاقت نفسه إلى الجنة بعد نيله الخلافة , وهو ما دعاه إلى الزهد وجعله خليفةً زاهداً حتى ينال مراده ويحقق طموح نفسه السامية .. بدخول الجنة.

      وهو ما لا يتعارض مع ما تفضلت بذكره .. فقد كانت نفسه تتوق إلى الخلافة .. فلما جاءته .. شعر بعِظَمِ المسؤولية وثِقَلِ المهمة.

      تحياتى الخالصة لك أخى عبد الحفيظ.

      حذف
  3. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    ما تحدثت عنه هنا أ/محمد هو الحالة الوحيدة التي يجب أن نولي فيها من يطلب السلطة و الذي لابد أن يتحقق فيه الشروط التي ذكرتها و أهمها أن يكون هو الكفء لها و أن تقدمه هذا خوفاً من ضياعها لمن لا يستحقها .
    جزاك الله خيرا على هذا التناول القيم .

    ردحذف
    الردود
    1. فى اعتقادى أن ثقافة طلب الملك والسعى إلى السلطة بهذا المفهوم واجبٌ علينا نشره وإفهامه للناس ليحل محل مفهوم الزهد غير الواعى وغير المبرر فى السلطة.

      ربنا يبارك فيك أختى العزيزة ريهام.

      حذف
  4. بسم الله وبعد
    تتقدم الأسرة المسلمة ( مازن وأحلام ) بالتهنئة بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك سائلين المولى عز وجل أن يتقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرآن وأن يرحمنا ويغفر لنا ويعتق رقابنا من النار وأن يدخلنا الجنة من باب الريان إنه سميع قريب مجيب
    مبارك عليكم الشهر وكل عام وأنتم إلى الله أقرب

    ردحذف
    الردود
    1. ما أجمل اسم " الأسرة المسلمة " ..
      بارك الله لكما فى أسرتكما المسلمة الطيبة , وجعلها منارةً تنشر نور الله فى كل الأرجاء , ونفع بها الأمة كلها , وجعل كل ما تقدمانه فى موازين حسناتكم.
      كل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب.

      حذف
  5. بارك الله فيك اخي الغالي
    موضوع شائق ويدور في فلك الثورات العربيه وتساقط اصنام وطواقيت الحكام والى مزيد من تساقط حجار الدومينو
    الحل الوحيد الديمقراطيه الاسلاميه الانتاخاب لاختيار الاصلح انتخابات نزيهه بعيده عن التزوير لا يترشح لها في بلاد الاسلام الا المسلمون لا ملحدون ولا اصحاب افكار هدامه
    وفقك الله

    ردحذف
    الردود
    1. " الديمقراطية الاسلامية " ..
      اسمٌ جميل يحمل كل معانى التحضر فى اختيار القائد الأصلح.
      جزاك الله خيراً أخى صالح.

      حذف
  6. شكرا جزيلا لما تقدمه لنا

    ردحذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه