الثلاثاء، 14 أغسطس 2012

لقد قررتُ أن أحب الله ورسوله ! ج1



نهض قائلاً  : " إننى وزوجتى لم نعد نُكِنُّ لبعضنا البعض المشاعر ذاتها كسابق عهدنا , وأعتقد أننى لم أعد أحبها .. كما أنها لم تعد تحبنى أيضاً .. ما الذى يسعنى القيام به ؟ ".

فسأله : " ألم تعد بينكما أية مشاعر ؟ ".

أجاب مؤكداً " هذا صحيح .. لدينا ثلاثة أطفال , ونحن قلقان بشأنهم .. ما الذى تقترحه ؟ ".

فأجابه : أَحِبَّها !

- لقد أخبرتك .. لم تعد بيننا أية مشاعر.

أَحِبَّها !!

- ألا تفهم ؟! .. لقد انتهت المشاعر بيننا.

- إذن  أَحِبَّها !!! ...
فالمشاعر إذا لم تكن موجودة .. فهذا سببٌ أدعى لتحبها !

- ولكن كيف تحب عندما لا تحب ؟!

- يا صديقى .. إن الحب فعل !
والحب ( المشاعر ) هو ثمرة الحب ( الفعل ) .. لذا أحبها واخدمها وضحِ من أجلها واستمع إليها وقدرها , فهل أنت قادرٌ على ذلك ؟

هذا هو الحوار الذى دار بين عالم الإدارة والمدرب العالمى الراحل " ستيفن كوفى " مع أحد المتدربين فى إحدى الندوات التى كان يتحدث فيها عن مفهوم المبادرة , والذى ذكره فى كتابه الشهير " العادات السبع للناس الأكثر فاعلية ". 

قرأت هذا الحوار منذ حوالى عامين .. فتذكرتُ على الفور ذلك الحوار النبوى - القصير فى محتواه الرائع فى معناه - بين رسولنا الحبيب ( صلى الله عليه وسلم ) وبين الفاروق عُمَر ( رضى الله عنه ) حين قال لحبيبه ( صلى الله عليه وسلم ) :
" يا رسول الله .. والله لأنت أحبُّ إلىَّ من كل شىءٍ .. إلا من نفسى " ..
فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يا عُمَر .. حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك " ..
فقال عُمَر : " يا رسول الله .. والله لأنت أحبُّ إلىَّ من كل شىء .. حتى من نفسى " ..
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " الآن يا عُمَر " رواه البخارى. 

وكان إمامنا الشيخ الشعراوى ( رحمه الله ) قد ذكر هذا الحديث عدة مرات , وكيف أن سيدنا عُمَر ( رضى الله عنه ) علم أن الأمر عزيمةٌ واجبة التنفيذ , وليس أمراً اختيارياً.

وقد كنت أتعجب كثيراً ( منذ صِغَرى ) وأتساءلُ عن كيفية حمل نفسى على حبِّ شخصٍ ما .. حيث كان تفكيرى محصوراً داخل اطار الفهم الشائع للحب .. وهو المشاعر وفقط .. باعتبار أن تَكّوُّن المشاعر إنما هى أمرٌ يُلقى فى قلب الإنسان خارجٌ عن إرادته ولا يعلم أسبابه فى كثيرٍ من الأحيان ( وهو صحيح فى بعض الأحيان ) .. حتى قرأتُ هذا الحوار فى كتاب العادات السبع فتغير تفكيرى تماماً وأدركتُ أنها ليست القاعدة , وبأن الحب يكون بالأفعال.

فوجدتنى أقرأ حوار حبيبنا ( صلى الله عليه وسلم ) مع سيدنا عمر بشكلٍ مختلف , بل وأصبحت أكثرُ فهماً لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين " رواه البخارى.

ولقد صِرْتُ الآن أكثرَ استيعاباً للمعانى السامية فى قوله تعالى : وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ..  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ".   

تأمل معى ..

الكلام الإلهى هنا عن معاملة عدوٍ أو شخصٍ يسىء إليك , وليس صديق أو حبيب ..

والمنطق البديهى هو أن تدافع عن نفسك وتدفع الإساءة بكل الوسائل الممكنة ..
   
فيُلْفِتُ اللهُ تعالى انتباهك إلى أن هناك وسيلتان لدفع الإساءة لا تستويان على الاطلاق .. وسيلةً دفعٍ أسماها ( الحسنة ) , وأخرى - شائعة بين الناس - أسماها ( السيئة ) , وأنت مُخَيَّرٌ فى استخدام أيهما ..

ثم يدعوك سبحانه إلى استخدام الوسيلة ال " أحسن " من خلال إظهار نتيجتها النهائية .. فأنت تدفع اساءة ذلك الشخص بأفضل ما لديك .. بل بأرقى معاملة وأحسن ما يمكن أن يقدمه إنسان لأخيه الانسان .. فيتحول ذلك العدو المُسىءُ - بفضل الله - من حالة العداء أو الاساءة إلى أن يصير " ولىٌ حميم " !

والولىُّ هو الصديق الذى يهتم لأمرك وتصل درجة صداقته إلى حدِّ النُّصْرة على كل من يعاديك , والحميمُ هو الحبيبُ شديدُ القُرْبِ الذى لا يكاد يفارقك.

النتيجةُ مُذهِلة .. أليس كذلك ؟!

هذا التَّحَوُّلِ " الدراماتيكى " يحدثُ نتيجة الإحسان إلى أعدائك , فكيف إن كان هذا الإحسان مُوَجَّهاً لأحبائك ؟!

فلتعلم بأن دفعك إنما يشملُ كيفية استقبالك لما تتعرض له من إساءة ردة الفعل " ويتبعها مبادرتك تجاه من يسىء إليك أو يعاديك " الفعل " وطبيعة هذا الفعل هى التى تحدد النتيجة .. 

فإن كانت بالتى هى أحسن - وليس حَسَنْ - فالنتيجة النهائية هى الفوز العظيم ب " الولى حميم " , وإن قابلت الإساءة بمثلها .. فلا تنتظر أن تحصد إلا ما زرعت

ولكن احذر !

لا تجرب مع الله , وإنما استقبل الأمر بإيمان وخذه بعزيمة ونفذه بيقين , وإلا .. فلتنسَ الأمر.

أعتقد أننا تأكدنا الآن تماماً بأن من يزرعُ الحُبَّ فلا بد وأن يحصد الحب.

فالحُبُّ عبارةٌ عن أفعالٍ تقومُ بها تجاه الآخرين , فإن قدمت إليهم حبَّ الأفعالِ بإخلاص .. لحصُلتَ على حُبِ المشاعر واستحوذت على قلوب الناس.

وقد قيل قديماً : " القلبُ أسير الإحسان ".

يحدثُ هذا مع عامة البشر .. فكيف بما يمكن أن يحدث مع سيد البشر( صلى الله عليه وسلم ) ؟!

أكمل الرحلة لتعرف كيف تحب الله ورسوله مع الجزء الثانى.

هناك 6 تعليقات:

  1. رائع هو الإحسان الذي يأسر القلوب ن و لكنه يحتاج لذكاء شديد في التعامل مع الناس حتى لا يفهم على أنه قلة حيله .
    جزاك الله خيراً أ/محمد و رزقنا جميعا حب الله و رسوله.

    ردحذف
    الردود
    1. اللهم ارزقنا حبك , وحب من يحبك , وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.

      هناك المزيد من المعانى فى الجزء الثانى .. يا ريت تقرأيها.
      بارك الله فيك أختى العزيزة ريهام.

      حذف
  2. أخي محمد ،

    كلنا نحتاجُ لمعرفة الطريقِ التي تؤدي بنا لى حبِ الله و رسوله ،
    أستشعرُ دومًا صعوبتها ،
    لكن ها أنتَ تبدأ معنا الطريقَ إليها ..

    " القلب أسير الإحسان "
    أعجبتني جدًا ..

    سأنتقلُ لقراءة الجزء الثاني الآن ..

    ردحذف
  3. السلام عليكم...
    جميلة جدا جدا تلك الرحلة الإيمانية التي صحبتنا فيها..
    أعتذر عن التقصير في المتابعة خلال الفترة الماضية..
    تقبل تحياتي..

    ردحذف
  4. اللهم صلي علي حبيبي محمد

    ردحذف
    الردود
    1. عليه الصلاة والسلام
      شكراً لزيارتكم الكريمة.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه