الخميس، 15 نوفمبر 2012

فن القيادة .. الرؤية والقدوة ! ج2

رابط الجزء الأول

عندما تباطأ - بل امتنع - الصحابة (رضوان الله عليهم) عن النزول على رأيه (صلى الله عليه وسلم) وتنفيذ أمره ولم يقبلوا بالعودة إلى المدينة دون أن يؤدوا العمرة .. قد خلقوا بذلك أزمة .. فكيف تعامل القائد العظيم مع تلك الأزمة ؟



نظراً لضيق الوقت وتَطَلُّب الأمر اتخاذ قرار حاسم وسريع ( غير متسرع ) .. فقد اتخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) عدداً من الخطوات العملية لاحتواء الأزمة وإيجاد حلٍ سريعٍ لها وأعطانا دروساً عظيمةً بقيت لكل من أراد أن يتعلم فن القيادة الإسلامية الراشدة التى تتجلى فى أصعب المواقف ..

1- لم يُعَنِّفهم أو يوبخهم على عدم انصياعهم لأمره.

2- لم يضيع الوقت ( الضيِّق جداً ) بالدخول معهم فى جدلٍ عقيمٍ ( لا يسمح به الوقت ) لاثنائهم عن عنادهم , واقناعهم بجدوى الاتفاق وما وراءه من نفعٍ سيعود على الاسلام والمسلمين.

3- ابتعد عنهم قليلاً منفرداً بنفسه ليعطى نفسه فرصةً كافيةً للتفكير الهادىء.

4- دخل على أم المؤمنين أم سَلَمَة (رضى الله عنها) وقصَّ عليها الأمر ليأخذ مشورتها .. وما خاب من استشار .. فقد اشارت عليه بأن يخرج ولا يُكَلِّمَ أحداً منهم حتى ينحر ويحلق ليكون قدوةً لهم بالبدء بالتطبيق على نفسه.  

5- بعد الاستشارة والتفكير العقلانى السريع ( غير المتسرع ) .. بادر بتنفيذ ما استقر عليه بكل عزمٍ وحزم بادئاً بنفسه ( القدوة ) .. فَذَبَحَ وحَلَقَ وتَحَلَّلَ مِنْ إحرامه .. فَعَلِمَ الصحابةُ بأن الأمر عزيمة وبأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ماضٍ فى أمره ولن يتراجع .. وعندها تنافسوا على الاقتداء بفعله.

6- وعلى كثرة الدروس التى علمنا إياها حبيبنا (صلى الله عليه وسلم) إلا أن من أعظم الدروس وأشدها تميزاً هو : أنه حتى وإن كنا أصحاب الحق الواضح المبين الذى لا لبس فيه , فأحياناً يكون التفاوض حتمى , بل إن الأمرَ يتطلبُ بعضاً من الخبث السياسى والدهاء الدبلوماسى دون التفريط فى أصل الحق ..   

لا بد أن تلجأ لذلك إذا كنت تفتقد إلى القوة اللازمة لاسترداد حقك كاملاً فى الوقت الراهن , أو لأن هذا التفاوض تكتيكى .. إما لكسب الوقت أو لصرف نظر العدو عن أمورٍ أخرى تقوم بإعدادها مثلاً , أو لمحاولة تثبيت الوضع الراهن وأخذ هدنةٍ تعيد فيها حساباتك من جديد وتعطى نفسك الفرصة الكافية لتتمكن من الإعداد الجيد لأسلوبٍ أكثر فعالية.

" ومن هنا فلا شك أن الرسول في هذا الصلح سيقبل - لا محالة - بأمورٍ من أجلها سيشعر المسلمون بغُصَّةٍ وألمٍ في حلقهم ، وهذا ما لا بد منه إذا ما جلس طرفان متكافئان للصلح .. لا بد أن يقدِّم كل منهما تنازلاً ، وإلا فلماذا التفاوض ؟ وعلامَ الصلح ؟! " د. راغب السرجانى

إذن دعونا نتفق على أن رد فعل الصحابة ( رضوان الله عليهم أجمعين ) كان انفعالياً عاطفياً لأقصى الدرجات التى حالت بينهم وبين حساب عواقب الأمور أو الدراسة المتأنية للواقع وحسن استغلال الإمكانات المتاحة لتحقيق المزيد من المكاسب , وتركيزهم - الضيق - على كسب معركةٍ أو جولة .. بينما كان القائد الأعلى ( صلى الله عليه وسلم ) يرى - ببعد نظرٍ ورؤيةٍ ثاقبةٍ وبصيرةٍ ممتدة - أن يتنازل - تكتيكياً - عن كسب جولةٍ من جولات الحرب .. من أجل البناءِ عليها لتحقيق الهدف الأكبر .. هدف حسم الحرب وكسبها بالكامل فى نهاية الأمر , فقد كانوا يفتقدون إلى الرؤية الشاملة التى امتلكها قائدهم عليه الصلاة والسلام.

هذا تقرير واقعٍ كان فى وقت صلح الحديبية , وتكرر فى تاريخنا , ويتكرر وسيتكرر , والأهم هو رؤية القائد الذى يستطيع قراءة الواقع وألا يكابر , وأن يدرك ضعف فريقه فى مواجهة عدوه فى وقتٍ ما , وأن يدرك أهمية أن يخلق الفرصة لنفسه من أجل اعادة بناء فريقه واستدراج عدوه , وأن يكون هو وحده المتحكم فى تحديد وقت وكيفية المواجهة القادمة .. أما سياسة " إما الحصول على كل شىءٍ الآن أو لا شىء على الإطلاق " فهى سياسةٌ عقيمةٌ غبيةٌ ثبت فشلها.

وهكذا .. تحققت رؤية الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنجاح صلح الحديبية فى تحقيق الهدف منه بانتصاراتٍ كبيرةٍ للمسلمين على أرض الواقع , وذلك بانتشار الإسلام بين الناس وتوسيع دائرة نفوذهم فى الجزيرة العربية وإقامة أحلافٍ استراتيجيةٍ قويت بها شوكة المسلمين فى الوقت الذى انتقصت فيه من نفوذ قريش.

بالتأكيد لم يكن ليستطيع أى قائد أن يُقْدِمَ على اتخاذ كل هذه الخطوات إلا إذا كان لديه أحد شيئين :

الأول هو السطوة والجبروت وفرض الرأى بالقوة وقهر أتباعه على تنفيذ ما يريد , وهو ما لم يكن وما لا ينبغى أن يكون من نبى الرحمة (صلى الله عليه وسلم).

أما الثانى فهو أن يكون لديه رصيدٌ كبيرٌ فى قلوب أتباعه ناتجٌ عن حبِ واخلاصٍ نابِعَيْن من حُسْنَ معاملته لهم واهتمامه بهم وشعورهم بحبه لهم وحرصه عليهم وعلى مصالحهم.

إنه رصيدٌ تَكَوَّنَ فى قلوب أتباعه ( أصحابه عليهم رضوان الله) على مدار سنواتٍ من الحب والتضحية المتبادلة ..
إنها مشاعر راقية تَجَلَّتْ فى نهاية الأمر فى تَخَلِّيهِم عن عنادهم ونزولهم على أمرهِ ثقةً فى حِكْمَتِهِ وبُعْدِ نَظْرَتِهِ وثاقبة رؤيته (صلى الله عليه وسلم).


والآن .. ونحن - جميعنا - نعلم أن الشورى مبدأٌ أصيلٌ فى ديننا الإسلامى العظيم .. أسس له ووضعه رسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) ..
كيف ترى السلوك القيادى النبوى فى هذا الموقف ؟ 
كيف تقَيِّم عملية اتخاذ القرار فى هذا النموذج ؟
هل كان السلوك القيادى هنا دكتاتورياً ؟
وإن كان الأمر كذلك .. فهل تعتقد بأنه ينبغى للقائد أن يلجأ إلى الأسلوب الدكتاتورى فى اتخاذ قراراته فى بعض المواقف , وإن خالف ذلك رأى أتباعه ؟!
وما هى المعايير التى لا بد أن يستند إليها ويراعيها القائد عند اتخاذ قراره بدكتاتورية ؟   
فى رأيك .. كيف يتجلى فن القيادة فى هذا الموقف ؟

أعتقد أننا لا بد أن نعود إلى المزيد من التحليل - فى جزءٍ ثالثٍ إن شاء الله - للإجابة عن هذه الأسئلة و لنعرف كيف تكون الدكتاتورية مطلوبة , بل ضرورية فى .. بعض الأحيان !!!


وفى الذكرى ال1434 للهجرة النبوية الشريفة لا أملك إلا أن أردد قوله تعالى : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ". 

ولن ننسى الدعاء لإخوتنا المجاهدين فى غزة وفى كل مكان ..
أسأل الله أن يحفظهم ويثبِّتهم وينصرهم على عدوهم وعدونا ..
وأن يجعل هذا العام الهجرى الجديد عام خيرٍ ونصرٍ وتمكينٍ للإسلام والمسلمين .. إنك ولىُّ ذلك والقادرُ عليه.

هناك تعليقان (2):

  1. القيادة فن وتحلي بالمسئولية

    فالقائد لايستطيع اخذ قرار الا بعددراسة تاثيراته

    علي من يقودهم

    اما الذي يجلس في مكان المقود

    فهو يفكر بحرية اكثر نظرا لعدم مسئوليته

    تحيتي محمد

    ردحذف
    الردود
    1. القيادة مسؤولية كبيرة جداً سيحاسب عليها الجميع ..
      قد لا يؤدى القائد حقها ..
      كما قد لا يعرف المقود قدرها.

      تحياتى أخى الحبيب خالد.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه