السبت، 24 نوفمبر 2012

قيمةُ الإنسان .. فلْتحيى قيمتك !

" المعنى الوحيد للسيادة .. هو أن تكون سيداً على نفسك أولاً قبل أن تسود غيرك " ..
قيمةُ الإنسان هى ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته " ..
" مَنْ لا يتقدم .. يتقادم " ..

حِكَمٌ هى من أعمق ما علق فى ذهنى من كنوز علمه ومعرفته وفلسفته ومقولاته الرائعة التى ملأ بها الدنيا ..

رحل وترك لنا كنوزاً هى من أعظم وأجلّ ما يمكن أن يتركه إنسانٌ ميراثاً للبشرية جميعا .. علماً ينتفعون به دون مقابل .. إلا مقابل أجره عند من فتح له أبواب تلك الكنوز - سبحانه - فبذلها فى خدمة عباده ولم يضِنّ بها عليهم ..
كنوزٌ نغترفُ منها ما شئنا , ولكن .. كلٌ منَّا بقدر ما يستطيع حمله من تلك الكنوز.

قيمة الإنسان هى ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته 
د. مصطفى محمود

وكان من أَقْيَمِ وأبرزِ تلك الكنوز .. هو ما كشفه لنا من أسرار النفس البشرية وعلاقتها بربها عزَّ وجلَّ ..

ومنذ عدة أيام .. وأنا أتصفح ال Facebook استوقفتنى بعض كلمات د. مصطفى محمود "رحمه الله" , فاستدرجتنى لقراءة المزيد من حكمه ومقولاته الرائعة , ورغم أنى من قرائه .. إلا أنى لم أقرأ هذا الدعاء من قبل ..
مناجاةٌ ربانيةٌ من أبدع ما قرأتُ له رحمه الله تعالى ..
تأثرت بها كثيراً .. فأحببت أن أشارككم معانيها السامية ودُررها النادرة ..


" إلهــي .. إنـك تـرى نفســي و لا يراهـــا ســواك ..
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .. بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .. 

ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .. وساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .. 

مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل ..
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .. حبل لا إله إلا أنت سبحانك ..

أنت الفاعل سبحانك و أنت مجري الأقدار و الأحكام .. و أنت الذي امتحنت و قويت و أضعفت و سترت و كشفت .. و ما أنا إلا السلب و العدم .. و كل توفيق لي كان منك و كل هداية لي كانت بفضلك و كل نور كان من نورك .. ما أنا إلا العين و المحل و كل ما جرى علي من استحقاقي و كل ما أظهرت فيّ كان بعدلك و رحمتك .. ما كان لي من الأمر شيء .. وهل لنا من الأمر شيء !؟


مولاي .. يقولون إن أكبر الخطايا هي خطايا العارفين .. و لكني أسألك يارب أين العارف أو الجاهل الذي استطاع أن يسلم من الفتنة دون رحمة منك .. و أنت الذي سويت نفوسنا و خلقتها و وصفتها بأنها .. ( لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى ) ..


وأين من له الحول و القوة بدونك .. و هذا جبريل يقول لنبيك لا حول من معصية إلا بعصمة الله و لا قوة على طاعة الله إلا بتمكين الله ..


وهل استعصم الذين استعصموا إلا بعصمتك و هل تاب الذين تابوا إلا بتوبتك .. و هل استغفروا إلا بمغفرتك . إلهي .. لقد تنفست أول ما تنفست بك و نطقت بك و سمعت بك و أبصرت بك و مشيت بك و اهتديت بك .. و ضللت عندما خرجت عن أمرك.


سألتك يارب بعبوديتي أن ترفع عني غضبك .. فها أنا ذا و قد خلعت عن نفسي كل الدعاوي و تبرأت من كل حوْل و طوْل و لبست الذل في رحاب قدرتك . إنك لن تضيعني و أنا عبدك . لن تضيع عبداً ذل لربوبيتك و خشع لجلالك . و كيف يضيع عبد عند مولىً رحيم فكيف إذا كان هذا المولى هو أرحم الراحمين.


ربّ اجذبني إليك بحبلك الممدود لأخرج من ظلمتي إلى نورك و من عدميتي إلى وجودك و من هواني إلى عزتك .. فأنت العزيز حقاً الذي لن تضرك ذنوبي و لن تنفعك حسناتي . إن كل ذنوبنا يارب لن تنقص من ملكك . و كل حسناتنا لن تزيد من سلطانك . فأنت أنت المتعال على كل ما خلقت المستغني عن كل ما صنعت ..
وأنت القائل : هؤلاء في الجنة و لا أبالي و هؤلاء في النار و لا أبالي
وأنت القائل على لسان نبيك : ( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) ..

فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء .. فأنا المحتاج.. أنا المشكلة .. و أنا المسألة . أنا العدم و أنت الوجود فلا تضيعني ..
عاونِّي يارب على أن اتخطى نفسي إلى نفسي .. أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك في جوارك و رحمتك و نورك و وجهك.


لقد جربت حيازة كل شيء فما ازددت إلا فقراً و كلما طاوعت رغائبي ازدادت جوعاً و إلحاحاً و تنوعاً .. حينما طاوعت شهوتي إلى المال ازددت بالغنى طمعاً و حرصاً و حينما طاوعت شهوتي إلى النساء ازددت بالإشباع عطشاً و تطلعاً إلى التلوين و التغيير .. و كأنما أشرب من ماء مالح فأزداد على الشرب ظمأً على ظمأ ..


وما حسبته حرية كان عبودية و خضوعاً للحيوان المختفي تحت جلدي ثم هبوطاً إلى درك الآلية المادية و إلى سجن الضرورات و ظلمة الحشوة الطينية و غلظتها . كنت أسقط و أنا أحسب أني أحلق و أرفرف ..
وخدعني شيطاني حينما غلف هذه الرغبات بالشعر و زوقها بالخيال الكاذب و زينها بالعطور و زفها في أبهة الكلمات و بخور العواطف ، و لكن صحوة الندم كانت توقظني المرة بعد المرة على اللاشيء و الخواء.


إلهي .. لم تعد الدنيا و لا نفسي الطامعة في الدنيا و لا العلوم التي تسخر لي هذه الدنيا و لا الكلمات التي احتال بها على هذه الدنيا .. مرادي و لا بضاعتي ..
وإنما أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلوبي فعاوني بك عليك و خلصني بك من سواك و أخرجني بنورك من عبوديتي لغيرك فكل طلب لغيرك خسار ..

أنت أنت وحدك .. وما أرتضي مشوار هذه الدنيا إلا لدلالة هذا المشوار عليك و ما يبهرني الجمال إلا لصدوره عنك و ما أقصد الخير و لا العدل و الحرية و لا الحق إلا لأنها تجليات و أحكام أسمائك الحسنى يا مَنْ تسميت بأنك الحق ..

و لكن تلك هجرة لا أقدر عليها بدونك و نظرة لا أقوى عليها بغير معونتك .. فعاونِّي و اشدد أزري .. فحسبي النية و المبادرة فذلك جهد الفقير .. فليس أفقر مني .. و هل بعد العدم فقر .. و قد جئت إلى الدنيا معدماً و أخرج منها معدماً و أجوزها معدماً .. زادي منك و قوتي منك و رؤيتي منك و نوري منك.


واليوم جاءت الهجرة الكبرى التي أعبر فيها بحار الدنيا دون أن أبتل و أخوض نارها دون أن أحترق .. فكيف السبيل إلى ذلك دون يدك مضمومة إلى يدي . و هل يدي إلا من صنع يدك ؟ .. و هل يدي إلا من يدك ؟! و هل هناك إلا يد واحدة ؟


لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ..


سبحانك لا أرى لي يداً .. سبحانك لا أرى سواك .. لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله حقاً و صدقاً .. و ذاتك هي واحدة الحسن .. الحسن كله منها .. و الحب كله لها .. و يدك هي واحدة المشيئة .. الفعل كله منها و القوة كلها بها و إن تعددت الأيدي في الظاهر و ظن الظانون تعدد المشيئات .. وإن تعدد المحبون و تعددت المحبوبات .. ما يركع الكل إلا على بابك و ما يلثم الكل إلا أعتابك .. مؤمنون و كفرة ..

وإن ظن الكافر أنه يلثم ديناراً أو يقبل خداً .. فإنما هي أيادي رحمتك أو أيادي لعنتك هي ما يلثم و يقبل دون أن يدري ..

و إنما هي أسماء و أفعال و أوصاف .. و المسمى واحد .. و الفاعل واحد .. و الموصوف واحد
لا إله إلا هو .. لا إله إلا الله .. الحمد له في الأول و الآخر ..
رفعت الأقلام و طويت الصحف و انتهت الكلمات
 ".



اناشيـــد الاثـــم والبـــراءة



جاءت كلماته مُعبرةً عما يحدث لمعظمنا وما يجول بخواطرنا وفى وقتها تماماً .. رحمه الله .. وجعلها حسنةً جاريةً تثقل ميزان حسناته إلى يوم نلقاه.


إنه وقتٌ ما أحوجنا فيه إلى أن نقف للحظاتٍ مع أنفسنا .. نخلوا بها لبعض الوقت .. نعاتبها .. نحاسبها ..

لحظات نخلوا فيها بربنا .. نناجيه .. نشكوا إليه حالنا .. ندعوه أن يصلح فينا ما أفسدناه بأيدينا.


واليوم ونحن نعيش إحدى نفحات ربنا فى ذكرى يوم عاشوراء الذى نجَّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده ..

أسأل الله أن يُنَجِّينا من فتن الدنيا وأن يجعلنا فيه ممن أنعم عليهم بالمغفرة ومَحْوِ ذنوبِ السنةِ الماضية .. إنه هو الغفور الرحيم.

هناك 8 تعليقات:

  1. اخي محمد
    طرح طيب وتحليل وعرض هادف
    لقد أمتعني الدعاء و انساب إلى نفسي كما تنساب الماء عبر الجوف العطش..
    بارك الله فيك على النقل والطرح و التذكير

    كل الود أخي الكريم

    ردحذف
    الردود
    1. إنه دعاء ممتع ومؤثر حقاً .. رحم الله عالِمنا د. مصطفى محمود.
      جزاك الله خيراً أختى زينة.

      حذف
  2. السلام عليكم.
    أخي الكريم يبدو أني غبت طويلا عن مساحتك هذه، وعودتي تبدو خجولة جدا، لهذا أرفق الاعتذار مع المحبة مع كل حرف يهب نفسه هنا لهذا الجمال المختار من طيب كلمات هرم من الكتاب والمفكرين (مصفى محمود)، أحببته في صغري، وقرأت له الكثير بداية برواياته وقصصه الجميلة قبل أن يهتدي للإيمان، إلى كتبه الايمانية التي تجر معها عامل التفكير واعمال العقل...
    اليوم أجد هذا الدعاء الجميل الصادق، فتحية لك على أخي محمد على انتقائك، وكل عام وأنت بخير.

    ردحذف
    الردود
    1. دائماً ما تغمرنى السعادة بزياراتك وتعليقاتك أخى الحبيب رشيد ..
      صدقت وأحسنت أخى بوصفك د.مصطفى محمود بالهرم .. فهو بالفعل هرمٌ يحوى الكثير والكثير من الكنوز التى تنتظر من يفتش عنها ..
      والعاقل الرابح هو من استطاع أن يغترف منها قدر استطاعته.
      جزاك الله خيراً أخى , وكل عامٍ وأنت بكل الخير.

      حذف
  3. أخى الفاضل: أ/ محمد نبيل
    بارك الله فيك وأعزك
    وأحييك على هذا الطرح الطيب والقيم

    تقبل خالص تقديرى واحترامى

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله خيراً كثيراً أخى أ/ محمد الجرايحى
      دمت دائماً بخير.

      حذف
  4. السلام عليكم .. انامحمد من العراق اول مرة ادخل لهذه الصفحة واتعرف على الدكتور مصطفى محمود" هذا لقلت ثقافتي طبعا" لكني والله وجدت ماابحث عنه وما تطيب له نفسي عند القراءة... جزاك الله كل الخير استاذ محمدنبيل ....

    ردحذف
    الردود
    1. تشرفت بزيارتك أخى محمد ..
      وسعدتُ كثيراً أنك وجدت هنا ما تطيب له نفسك.
      تحياتى لك ولأهلى فى العراق الشقيق.

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه