الجمعة، 12 أكتوبر 2012

اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ..صِرَاعُ الْهَوِيَّة

"أصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ جِنُّ الإنْس... يُبْصِرُونَ مَا لا يُبْصِرُ غيُرُهُم" الإمام الشافعي 


هل تعلمون إخوتي بأن اللغة الإنجليزية تشكّل حوالي نسبة 60 % من إجمالي اللغات العالمية التي كُتبت بها العلوم المختلفة في عصرنا الحالي، و تأتي بعدها اللغة الفرنسية بنسبة 20 % تقريباً، بينما تتقاسم بقية لغات العالم مجتمعة - بما فيها العربية طبعاً - نسبة ال 20 % المتبقية، و ذلك وفق ما قرأته في إحدى الدراسات.

بالله عليك!... ما هو شعورك و أنت تقرأ هذه الإحصاءات؟

هل تشعر بالغيرة على لغتك؟
أم أنك  تشعر بلا مبالاة؟ 

هل أنت ممن يتحسرون و يرضون بالأمر الواقع و يستصعبون تغييره؟

أم أنك ممن يتوقدون فكراً و حماساً .. من أجل تغيير واقعهم إلى الأفضل دائماً؟

ألم يحدث أن سُدْنا العالم أكثر من ألف عامٍ بلغتنا العربية؟
ألم يتلقَ العالمُ عنا علومَ الطبِّ، الرياضياتِ، الكيمياءِ، الفَلَكِ، الفلسفةِ و المنطقِ... و كانت لغتنا أيضاً هي العربية؟

أَوَلَيْسَتْ " كل " دول العالم المتقدم " الآن " تتدارسُ العِلْمَ و تتعلمه و تعلمه لأبنائها بلغاتها القومية؟

إن اليابانيين و الكوريين و الألمان و الفرنسيين و السويديين و كل الدول المتقدمة فى الاتحاد الأوروبي - و حتى العملاق الصيني الصاعد بسرعة الصاروخ - جميعهم يدرسون العلوم بلغاتهم القومية و ليس بالإنجليزية، و رغم ذلك ظلوا متقدمين.

و رغم أن الإنجليزية هي لغتهم الرسمية التي يتعلمون و يتعاملون بها .. إلا أن ذلك لم يشفع لمعظم دول القارة السمراء (في وقتنا الحالي)، و لم يشق لهم طريقاً للحاق بركب المتقدمين.

إذن ما هي علاقة لغتنا العربية بما نعانيه؟ 
و ما علاقة عربيتنا بسوء أحوالنا و تخلفنا عن الحضارة المعاصرة؟

تساؤلاتٌ حائرةٌ بين فريقين متجادِلَيْن...

أحدهما ينادي بتوسيع استخدام اللغات الأجنبية، و لا سيما الإنجليزية , على حساب لغتنا العربية إلى حدٍ وصل بالبعض إلى الاستغناء تماماً بإنجليزيته عن عربيتنا الحبيبة... حجتهم في ذلك أن اللغة العربية - من وجهة نظرهم - هي أحد أسباب تخلفنا؛ حيث أنها لغةً قديمةً لا تستطيع أن تواكب العصر الحديث بتقنياته و تطوره المتسارع، هذا بالإضافة إلى سوق العمل الذي يشترط الإجادة التامة للغةٍ أجنبيةٍ، وبخاصةٍ الإنجليزية... دون أن يشترط - للأسف الشديد - أية درجة لإجادة اللغة العربية.

والآخر ينادي بأن يتم تعريب كافة العلوم، بل و ربما وصل التعصبٍ أحياناً إلى دعوة البعض إلى إلغاء تدريس اللغات الأجنبية بشكلٍ الزامي في جميع مناهجنا إلا لمن أراد أن يدرسها برغبته وحده... حجتهم في ذلك أن هذا هو - من وجهة نظرهم - أفضل الطرق و أقصرها و أكثرها فاعلية للحفاظ على نقاء الهوية التي تُعَدُّ أعزُّ ما تَبَقَّى لنا.   

إذن فالأمر يحتاج إلى تحليلٍ منطقي حياديٍ شامل، نتتبع خطواته حتى نصل إلى الرأي الأصوب، أو على الأقل الأقرب إلى الصواب بعون الله؛ لاختيار الطريق الذي ينبغي أن نتخذه فيما يتعلق بشىءِ يمثل جزءاً لا يتجزأ من كياننا بل يمثل هويتنا - شاء البعض ذلك أم أبى - لغتنا العربية العزيزة. 

عندما وصل ابني الأكبر يوسف إلى سن المدرسة، ثار جدلٌ كبيرٌ فى محيط الأسرة و الأقارب حول اللغة التي ينبغي أن يتلقى بها تعليمه في المدرسة... ففي المدرسة قسمين: أحدهما للتعليم باللغة العربية فقط، و الآخر للتعليم بالإنجليزية بشكلٍ أساسي بجانب العربية كلغة ثانية.

كان رأيي - في ذلك الوقت - مبنياً على آراء العديد من علماء التربية و علماء النفس الذين يؤكدن على أن الطفل في سنوات عمره الأولى ينبغى أن يتلقى تعليمه باللغة الأم فقط... لأن ذلك يؤثر بشكلٍ أساسي في تكوين شخصيته و ثقافته و هويته، و يُعْلي من قدر انتمائه لوطنه و مجتمعه، و أن ذلك ضروري للغاية في مرحلة التعليم الأساسي، خاصةً و أن عقل الطفل - بحسب رأي بعض العلماء - في هذه السن المبكرة (أقل من عشر سنوات) من الأفضل له أن يستوعب لغته الأصلية أولاً حتى لا يتشتت ذهنه وينتهي به الحالُ إلى عدم إتقان أيٍ من اللغتين، أو جوْر إحداهما على الأخرى.

و في المقابل... وجدتُّ رأياً آخر يستند إلى دراسات علماء آخرين تقول بأن الطفل يمكنه أن يتعلم و يتقن عدة لغات في ذات الوقت، و أن  ذلك لا يؤثر على لغته الأم، بالإضافة إلى أن الهوية هي ما تغرسه في أولادك في البيت قبل و بعد و أثناء الذهاب إلى المدرسة... فعملية زرع الهوية بداخل أولادنا هي عمليةٌ بناءٍ نرعاه ليستمر لعدة سنواتٍ، يتشارك فيها كلٌ من الأسرة و المدرسة مع المجتمع... طبعاً بجانب أكبر المؤثرات الاجتماعية على الإطلاق... الإعلام.

و بين هذيْن الرأييْن الوجيهيْن للعلماء (ولكلٍ دراساته و اجتهاداته)... أخذتُ أفكر في الأمر و أتفحصه من كافة جوانبه، فوجدت أن نجاحي في هذا الأمر - كأبٍ مسؤول عن رعيتي - لا يأتي إلا من قدرتي على إدارة هذه المنظومة باتزانٍ و توازنٍ في إطار علمي بأني مُجبرٌ على هذا التوازن...

إنه التوازن بين مراعاة الأمر الواقع و متطلبات العصر من جانب، و بين الحفاظ على الهوية من الجانب الآخر... فليس لي أي خيارٍ في تجنب الواقع مهما حاولت... فالتكيف مع هذا الواقع و حسن التعامل معه ليس رفاهية، و إنما الحكمة تتطلبه. 

يأتي هذا في ظل واقعٍ مُحيرٍ مريرٍ يجعلني، و كل راعٍ واعٍ، نفكر ألف مرةٍ قبل اتخاذ قرار باتجاه تعليم ابنائنا. فبعيداً عن التعميم... كم يحزنني هذا الكم الهائل من شباب المشرق العربي في مصر و الشام و بعض دول الخليج العربي يتبارون في التحدث بالإنجليزية، و يتفاخرون بكثرة استخدام ألفاظها بمناسبة و بدون مناسبة، يقابله شبابٌ من المغرب العربي مولعٌ بالفرنسية إلى حدٍ يكاد أن يقضي على عربية بعضهم و عروبته... واقعٌ أراه الآن و أعاني نفسياً من انتشاره بين أبناء الأمة، و في ذات الوقت أخشى أن يكون ذات يومٍ واقعي الذي أعانيه مع أولادي.

لا شك أن السعي إلى إجادة اللغات الأجنبية ليس عيباً و لا حراماً، بل على العكس؛ فهو - فى رأيي - من مقاصد العلم المحمودة و المطلوبة من ثلاثة أوجه:

الأول أنه بابٌ لأداء فريضة تحصيل العلم التي أمرنا بها الرسول الهادي (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف: "طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم".
الثاني أنه فرضُ كفاية، و أنه مما يُأمَنُ به المكرُ و يُدْفَعُ به الشر كما ورد في المقولة الشهيرة: "من تَعَلَّمَ لغة قومٍ أَمِنَ مكرهم" أو "شَرَّهم".
و أما الثالث فهو تحقيق التعارف و التقارب بين الشعوب و التعرف على ثقافاتهم، و هو المقصدُ الإلهىُ الذي أعلمنا به سبحانه و دعانا إليه ضمناً في قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" آية 13- سورة الحجرات. 

و لكنَّ العيبَ كل العيب يكمنُ في أن نُحيلَ الأمر من كونه وسيلةً لتحقيق هذه المقاصد الثلاث إلى غاية في حد ذاته.  

و من هذا المنطلق .. فقد اجتهدتُ - قدر المستطاع - و اتخذت القرار الذي أظن أنه يجمع الحسنيين - من وجهة نظري - و يرضي ضميري، و يمكن أن يحقق و يحفظ لأولادي الحد الدنى من التوازن المطلوب...

أولاً أن أحفظ له الحد الأدنى من متطلبات الواقع و احتياجات المستقبل القريب - حتى اشعارٍ آخر - بأن يتلقى تعليمه باللغة الإنجليزية بشكلٍ أساسي، و أن تكون اللغة العربية هي لغته الثانية (في المدرسة فقط).

ثانياً أن أسعى و اجنهد - بشتى الطرق الممكنة - للمحافظة على لغته الأم التى تحفظ له كيانه الإسلامي و هويته العربية.,. و وجدتُ أن أفضل وأسهل هذه الوسائل ثلاث:

أ- أحضرتُ له شيخاً يُحَفِظُهُ القرآن الكريم أسبوعياً طوال العام... فهذا مما يحفظ له دينه و هويته و لسانه. 
ب- مشاهدة أفلام الكرتون بالعربية الفصحى (المنتقاة قدر المستطاع)، و هو مما يعلمه لغته جيداً و يقويها بشكلٍ سلسٍ و مُحببٍ إلى الأطفال... حتى أني كثيراً ما أجد أولادى (يوسف و هنا) يدهشاني و يسعداني بألفاظٍ من الفصحى بين الحين والآخر.
ج- قراءة القصص والحكايات، و هو ما أحرص عليه قدر ما أستطيع... خصوصاً قبل النوم، حيث أن هذه القصص (المنتقاة أيضاً) تُعَدُّ من أكثر ما يستمتع به الأطفال، و بذلك فهي من أهم ما يبني قِيَمَهُم و يُشَكِّلُ ثقافتهم و يُوَسِّعُ مداركهم.

ربما يرى البعض أن هذه الوسائل لا تكفي لمواجهة طوفان محاولات طمس الهوية، و قد يكونون على حق، إلا أني أرى أن مواجهة ذلك واجبٌ شرعي و قومي في ذات الوقت. 

كانت هذه هي حالتي و حكاية صراعٍ من صراعاتنا من أجل الحفاظ على هويتنا، و إن كان هناك تقصيرٌ ما، فقد اجتهدتُ للوصول إلى نقطة التوازن الممكن...

إنه صراعٌ يخوضه كل مُخلصٍ منا من أجل الحفاظ على هويته و بناء هوية أولاده و التى تتجمع و تتشكل جنباً إلى جنب لِتُشَكِّل هوية أمّة.