الجمعة، 28 يونيو 2013

جَلْطةُ العمر


تناولت غدائى مع أهل زوجتى كعادتى فى مثل ذلك اليوم من كل أسبوع ..
المهندس على ( عديلى ) يسألنى كعادته بعد انتهائنا من الغداء : ( يلَّا يا شيخ محمد - كما يحب أن يداعبنى - نازل ولا لأ ؟ ) ..

وعلى غير العادة أجيبه : ( لا .. اتفضل أنت يا علوة .. أنا قاعد شوية ) ..
فقد كنت معتاداً أن أذهب إلى البيت تاركاً الأولاد فى بيت جدهم لأنفرد بنفسى قليلاً ثم أنام.

أيضاً .. وعلى غير عادتها .. لا تستأذن حماتى لتستريح فى غرفتها .. بل تجلس معى لنتحاور ونتبادل الرأى حول ما يدور فى مصر من أحداث رغم أن الجميع قد انفضُّوا من حولنا ليغتنموا وقتاً للراحة وتركونا لننعم بحوارنا فى هدوء.

حوارنا الممتع يمتدُّ لساعتين ..
( حماتى العزيزة .. أستأذن الآن ) .. هكذا قررت ..
أخذتُ حافظة نقودى وحملتُ مفاتيحى متجهاً نحو الباب.

يستوقفنى يوسف ( إبنى ) : ( أرجوك يا بابا خلِّيك شوية .. عايزك تلعب معايا ) ..
أرضخ لإلحاحه وأعود للجلوس من جديد ..
لعبة تركيز وإتقان جميلة يعلمنى يوسف كيف ألعبها.
لا زلتُ ألعب مع يوسف , ولا زلتُ أشعر بنفس الصداع يلازمنى منذ استيقاظى فى الصباح ..
أشعر أيضاً بأن النعاس يداهمنى ..
عدتُ بظهرى إلى الخلف وأسندتُ رأسى إلى ظهر الكرسى ..
  
فى تلك اللحظة يخرج حمايَ من غرفته ويجلس على كرسىٍ أمامى .. إنه يستعد للخروج .. يبدو أنه على موعد ..
ولكن ما الذى حدث حتى يفزعَ إلىَّ بهذه الطريقة ليسألنى : ما بك ؟!
وما الذى يجعل زوجتى تنظرُ إلىَّ ثم تصرخ هكذا ؟!

هل أثارهم سؤالى لهذه الدرجة ؟! ..
إننى فقط كنت أتساءل عن ألعاب الذكاء والتركيز التى اشتريناها مؤخراً من معرض القاهرة الدولى للكتاب !!! ..
فهل هذا يستدعى أن يقرأ لى حمايَ - جزاه الله خيراً - آياتٍ من القرآن الكريم وبعض الأدعية ؟!

غابت الأحداث بمشاهدها .. فوجدتُنى أمام مشهدٍ لا أدرى ما الذى سبقه من أحداث ..
الهدوء يتحول إلى صخبٍ وضجيجٍ والجميع يلتفون من حولى ويمسكون بى .. لماذا ؟! 
لا زلت ُ غيرُ مستوعبٍ لما يدور من حولى .. إنهم يغسلون وجهى بالماء ..

إننى فقط أشعر ببعض الصداع ورغبةً فى النوم .. فلماذا يعملون على إفاقتى ؟!

أسمعُ حواراتٍ متقطعةٍ واتصالاتٍ هاتفية أدركتُ أنها تتحدث عنى ..
يبدوا أنهم قد تبينوا أن الأمر خارجٌ عن سيطرتهم فقرروا الإسراع بى إلى المستشفى ..
كنت مرتدياً فردة حذائى اليمنى فسألتُ زوجتى - بارك الله فيها - أن تلبسنى اليسرى فقالت متأثرةً : ( أنت لابسها فعلاً يا حبيبى ) ..

عجيب ! .. فأنا لا أشعر بها , ولكن كلام زوجتى أصدقُ من إحساسى بقدمى.

وصلنا إلى المستشفى .. ولكنى لا أستطيع أن أمشى دون أن أستند إلى أحد .. أحضروا لى كُرسيا متحركاً .. أجلس عليه لأول مرةٍ فى حياتى .. يأتى إلىَّ أحد الأطباء فيحادثنى ..

- ما اسمك ؟
- محمد
- هل تدرك أين أنت الآن ؟
- نعم .. فى المستشفى
- صافحنى بيدك اليمنى
- أمد يدى لمصافحته
- والآن صافحنى باليسرى

- أحاول مدها فلا تمتد ..
أعطيها الأمر بأن تتحرك فلا تستجيب ..
أخاطبها .. هل امتنعتِ لأنك تعلمين أنى لا أصافح أحداً إلا باليمنى وأنى لم أصافح بك أحداً قط ؟ ..
ولكنى تعودتُ منكِ أنك تلبين جميع خواطرى ..
بل إنك دائماً ما تتحركين ذاتياً حتى دون أن آمرك .. فلمَ تعصينى وقد أمرتك ؟! 
ما الذى أصابك ؟! 

فإذا بها تجيبنى ..
يا محمد .. يا عبد الله ..

هذه هى الرسالة الأولى .. فانتبه و تَعَلَّمْ !

إننى لم أكن يوماً أتحرك بأمرك ولا بأمرى ..
وإنما بأمرِ مَنْ له الأمر سبحانه ..
وما كانت حركاتى وسكناتى إلا أمانةً عندك لينظر ربى ما ستفعل بى ..
وقد سلبها منك الآن لتتذكر وتتدبر .. 
فانتبه لجوارحك .. فكل جارحةٍ منها نعمة و كل حركةٍ نعمة و كل سَكَنَةٍ نعمة .. 
وتَعَلَّمْ كيف تستخدمها و فيمَ تستعملها و حافظ عليها , وابتغِ بكل حركةٍ وسَكَنَةٍ وجه الله , واجعلها جميعاً فيما يحبه ويرضاه !

شكراً يدى .. فقد وصلت الرسالة وتعلمتُ الدرس.

تمر الأحداث متلاحقةً أدركُ بعضها وأغيبُ عن أكثرها ..
أفقتُ الآن بعد فترة غياب لا أدرى كم عمرها .. إننى أعيش لحظة إدراكٍ استثنائية .. فلقد أفقتُ على صوتِ ذلك المُحَرِّك .. صحيحٌ أنى لم أره إلا فى التلفاز , إلا أنى أعرف هذا الجهاز جيداً .. إنه جهاز الأشعة المقطعية ..

يا الله .. إنها الرسالة الثانية ..

نعم .. فهو يشبهه إلى حدٍ بعيد ..
إنه يذكرنى بذلك المكان .. 
كم كنتُ أظنُّه بعيداً فإذا به أقرب مما تصورت .. 
إنه ال .. ق ب ر ..
ولكنى أراه بعينٍ ربانيةٍ ثلاثية الأبعاد .. قَ قَرِيبٌ .. بَ بَرٌّ .. رَ رحيم ..
فيا قريبُ برَّ عبدك وارحمه برحمتك التى وسعت كل شىءٍ يا أرحم الراحمين !

فالحمدُ لله على نعمة الحياة .. 
وسبحان من منحنى إدراك لحظة دخولى فى ذلك الجهاز , وسبحان من نزع عنى ذلك الإدراك وأنا بداخله. 
    
مهلاً مهلاً .. لقد تنبهتُ الآن إلى الرسالة الثالثة .. 

إنها نعمةٌ لم أنتبه لها من قبل ..
نعمةٌ لا يشعر بها معظم الناس ..
إنها النعمةٌ التى تقوم عليها الحياةُ برُمَّتها ..

إنها نعمة الوعى والانتباه ..
فاللهم لك الحمدُ كلهُ أن تركت لى قدراً من الوعى كى أدعوك !

إن لحظاتٍ من الوعى - فى ذلك الموقف - لهى فرصةٌ عظيمةٌ لا أعلم إن كانت ستعود ثانيةً أم أنها المرة الأخيرة ..
لا بد وأن أُحْسِنَ استغلالها فى هذه الظروف العصيبة ..
التوبة .. نعم بادر بالتوبة ..
ثم .. ثم صِغَارى ومهجة فؤادى .. كيف سيكون شعورهم إن فقدونى ؟
ماذا ستفعل زوجتى المسكينة ؟
اللهم نجِّنى مما أنا فيه , وبارك لى فى عيالى وبارك لهم فىّ !

الحمد لله .. الآن أوقنٌ بأن الله قد أجاب دعائى وأنا فى هذا الموقف .. 
نعم .. إنه ليس بالأمر العادى ..
إنه دعاء مضطر ..
سبحانه هو القائل : " أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ " ..   
نعم .. وحيث أن الأمر كذلك فلأغتنم الفرصة كاملة ..
اللهم بلِّغنى مما يرضيك آمالى !
ما هذا ؟! .. آالدنيا مرةً أخرى ؟! 
ولكن ما العيب فى طمعى فى فضل الله ومُلكه وملكوته ؟! 
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيرُ الناس مَنْ طال عمره و حَسُنَ عمله " .. رواه أحمد والترمذى.

فليكن كذلك ..
اللهم أطل عمرى وأحسن عملى , وارزقنى الإخلاص فى النية والعمل , وارزقنى حسن الخاتمة !

آهٍ ياربِّ .. إنها رسالةٌ جديدةٌ ونعمةٌ من أعظم ما أنعمت يا طبيبنا ..
ولكن ما أغْفَلَنَا عنها وما أشد تقصيرنا نحوها ..

إنها نعمة الدعاء ..

فاللهم ارزقنا دعاءك فى رخائنا .. 
ولا تكلُنا إلى أنفسنا فى شدائدنا !

آآآه .. إنها وخزةٌ شديدةٌ فى بطنى .. 
يبدو أنها حقنة إذابة الجلطات .. 
أخيراً أفقت .. الحمد لله.

إلهىَ الحبيب وربِّىَ القريب .. كم هى رسائلك إلينا ! 

فى كل حركة وفى كل سَكنة ..
فى كل قَوْلةٍ وفى كل سكتة ..
فى كل ترحةٍ وفى كل فرحة ..
فى كل غدوةٍ وفى كل روْحة ..
فى كل صحوة وفى كل غفوة ..
فى وقت ضعفٍ وفى وقت قوة ..
فى وقت ضيقٍ وفى وقت نشوة ..
فى جوْرِ قريبٍ أو وُدِّ غريب .. 
فى موت عزيزٍ أو فقد حبيب ..
فى رفع وضيعٍ أو خفض حسيب ..
فى عزِّ ذليلٍ وفى ذُلِّ عزيز ..
فى فقر الأغنياء وغنى الفقراء ..
فى ارتقاء صعلوك وسقوط الملوك ..
فى توبة جاحد وانتكاس عابد ..
وفى مداولة الأيام .. بين الأنام.

رسائلُ لا تنقطع .. فهلاَّ قرأناها .. أم أننا لا نجيد القراءة ؟

اللهم إنا لا نملك إلا أن نحمدك على جميع فضلك وعظيم نعمائك ..
نستغفرك ربنا على غفلتنا عنها أو جحودنا لها أو عدم شكرك عليها أو عدم ادراكها أو تقصيرنا فى البحث عن معانيها ..

نعمة وجود الجوارح والأعضاء ..
نعمة الحركة لكل جارحة ..
نعمة السكون لكل جارحة ..
نعمة الوعى والإدراك ..
نعمة الإبتلاء ..
نعمة الأمل والرجاء ..
نعمة المناجاة والدعاء ..
نعمة الشفاء من الأدواء ..  
نعمة الصحة .. 
نعمة الحياة ذاتها ..
نعمة إدراك معنى الحياة .. وهى نعمةٌ مَنْ رُزِقها فقد أوتى خيراً كثيراً .. 
ونعمةٌ لا يفقهها غالبُ الناس .. إنها نعمةُ الاستمتاع بنعم الله

إلهى ومولاى ..
ليس هناك من الكلمات ( التى هى منك وحدك ) ما يمكن أن أُعَبِّرَ به عن امتنانى ومكنون نفسى إلا بما أنعمتَ علىَّ منها وما فتحتَ لى من فضلك ..   

فسبحان مَنْ قَدَّرَ وسبحان مَنْ دبَّر 
سبحان مَنْ أقبلَ على عبدٍ إذ أدبر
سبحان مَنْ أنذرَ عبده وقد أمهل 
وسبحان مَنْ باللُّطفِ قد أرسل

فالحمد لله الذى من الكرب نجَّانى 
والحمد لله الذى بالعفو عافانى
والحمد لله الذى برحمته شفانى
والحمد لله الذى أعطانى عُمُراً ثانى
والحمد لله على فضله الذى أرانى
والحمد لله أن كشف لى تلك المعانى
فالحمد لله كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانِ

حقاً يارب وصدقاً  ..
" وإن تَعُدُّوا نعمة الله لا تُحْصُوها , إن الله لغفورٌ رحيم " .. سورة النحل- آية 18

عبدك يا الله
محمد نبيل   

هناك 8 تعليقات:

  1. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    حمدا لله على سلامتك أ /محمد ، بصدق التدوينة بكل معانيها من أجمل ما قرأت ... تنبهت للرسائل فنبهتنا جزاك الله خيراً ... أطال الله عمرك في الخير و بارك لك في أسرتك .

    ردحذف
    الردود
    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      سلمك الله أختى ريهام وجزاك الله خيرا
      ولك إن شاء الله بمثل ما دعوت لى وزيادة

      حذف
  2. يا الله ! .. لقد تأثرت جدا بكلماتك خاصة وأن الموقف حقيقي وواقعي ..وتذكرت قول الإمام علي عش لدنياك كأنك تموت غدا .. اللهم لك الحمد على نعمك و جل ما أتمناه أن ينير الله بصائرنا حتى لا تزل أقدامنا عن الطريق

    ردحذف
    الردود
    1. اللهم ثبتنا يوم تزل الأقدام !
      شكراً لزيارتك الطيبة.

      حذف
  3. حمدا لله على سلامتك أخي الكريم

    شفاك الله وعافاك
    الحمد لله الذي لطف بك وأهداك تجربة وهبتها لنا
    فأيقظت فينا جوانب كانت نائمة
    ما أقرب الموت منا
    لكننا لا ندرك
    وصلت رسائلك..


    أشكرك

    ردحذف
    الردود
    1. سلمك الله أختى ..

      إنما هى رسائل قد أرسلها الله إلىَّ فرأيتُ أن إبلاغها للناس أمانةٌ واجبة.

      جزاك الله كل خير

      حذف
  4. رسائل لا تنقطع ونحن غافلون .. فصدق من قال ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا )
    حمدا لله على سلامتك أخي العزيز .. أسأل الله أن يتم شفاءك على خير ويحفظك لعائلتك ويبارك في عمرك وعملك يارب
    تحياتي وتقديري البالغين

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً لك أختى العزيزة على قراءة التدوينة ..

      إنما هى بالفعل رسائل ربانية لا تنقطع ,
      والغفلة وحدها هى التى كثيراً ما تضع غشاوةً على بصائرنا فلا نرى مكنون الخير في باطنها.
      وقد كانت هذه بعض مِنَحِ الله إلىَّ فى المحنة .. منحٌ أردتُ أن تعم الجميع بمعرفتها.

      جزاك الله خيرا

      حذف

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه