الأربعاء، 30 أبريل 2014

اكتب باسم ربك الذي خلق!


في فلسفات الإغريق؛ كانوا يعتقدون بأن الإلهام أو الحكمة تُمنًحُ للإنسان ولا تصدر منه، وهو أمرٌ يشعرُ به كثيرٌ منَّا - نحن الكُتّاب - في لحظاتٍ معينةٍ وكأن شيئًا ما قد هبط علينا فجأةً ليدفعنا نحو القيامِ بعملٍ إبداعي - كالكتابة والتأليف - دون أن نعرف لذلك سببا.

كثيرًا ما أجدني وقد انتابتني حالةٌ شعوريةٌ جارفةٌ تجاه فكرةٍ معينةٍ تستهويني، أو موضوعٍ أشعر برغبةٍ عارمةٍ في الحديث عنه وإخبار الناس بما يدور في عقلي حوله، فتنتابني حالةٌ من الإنجذاب القوي نحو الكتابة... أمسك بالورقة والقلم؛ وإذا بالأفكار تتوارد إلى خاطري بسرعةٍ عجيبة، ويفيض قلمي بالكلمات والمعاني وكأنها فيضٌ ربانيٌ لا أقدر على إغلاق بابه ولا أستطيع التصدي لفتوحاته، فإن تكاسلتُ أوأجَّلتُ الكتابة؛ طار طائر الإلهام وحلق بعيدًا ولم يعد بمقدوري استعادته.
لذا؛ فقد تعلمتُ المبادرة بالكتابة بمجرد ورود الفكرة إلى ذهني، ولو اكتفيت في البداية بتسجيل أساس الفكرة فقط، ثم معاودة كتابة التفاصيل لاحقا.

"إن الإلهام لا يهبطُ إلا على من يستحقه، ولا يستحقه إلا من هيأ نفسه له؛ بالصبر، والتركيز وبالابتعادِ عن محاولة التحولِ إلى قناةٍ إخباريةٍ تعرف كل ما يصيرُ في العالم...
سألتُ أحدَ الذين أتابعهم على "تويتر" لماذا أقلَّ في كتاباته التي كنتُ أستمتعُ بها كثيرا، فقال إن قلبه لم يعد قادرًا على الإبداع في عالمٍ مليءٍ بالإحباطِ والسلبية!...
فلكثرة ما نتابع الأخبار والمصائب حول العالم اُصِبنا بشللٍ عاطفيٍ وضياعٍ ذهني، ولم تعد نفوسنا مهيأةً للتفكر في الإنسانِ والكونِ والوجودِ والمعرفةِ والجمالِ والحبِّ وكل الأشياء التي كانت تُلْهِمنا". 
كلماتٌ أعجبتني للكاتب الإماراتي ياسر حارب

إن كونك تملك فن الكتابة وموهبة التأليف، ويأتيك الإلهامُ من حينٍ لآخر؛ فإن هذا لأكبر داعٍ لتجرب قلمك!

إنه لأمرٌ رائعٌ بالفعل لمن جرَّبه؛ فهو هوايةٌ راقيةٌ ماتعةٌ لعشاقها، ومهنةٌ مرموقةٌ لمن أرادها كذلك؛ فقد ذكرت بعض الدراسات الإجتماعية أن أكثر المهن احترامًا لدى معظم الناس هي مهنة (الكتابة)... ما ينقصك فقط هو المحاولة الجادة والمستمرة لحسن استغلال موهبتك وتحويلها من مجرد كونها هواية إلى وظيفةٍ خاصةٍ عند نفسك، ومهنةٍ حرةٍ من كل القيود... تجمع من خلالها الهواية المحببة إلى قلبك بجانب تحقيق الربح مما تقوم بكتابته وبما لا يضطرك إلى فعل ما لا تريد...


بالكتابة والتأليف تضيفُ إلى عمرك أعمارًا وأعمارا، فتحيا بها فيما قُدِّرَ لك أن تعيش، وتمتد بحياتك في كل مكانٍ وفي أي زمان... 

فقط بمزيدٍ من الجهد الصادق، مع قليلٍ من الصبر الواثق؛ تبلغ ما لا يبلغه كل من هو للمجد عاشق.

ولكن... ما هو أصل فكرة الكتابة؟!

ما يحزُّ في نفسي؛ أن أغلبنا - كمسلمين - بعيدون تمامًا عن الأمر الإلهي ب "إقرأ"... أول كلمات القرآن!، وهي الكلمة التي كررها جبريل عليه السلام على الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتٍ متتاليةٍ قبل أن يتلو عليه بقيةَ أولِ وَحْيٍ ينزل به عليه "باسم ربك الذي خلق"؛ حيث كل ما في حياتنا يبدأ باسم الله...

ثم نجدنا غالبًا إذا ما قمنا بتنفيذ الأمر "إقرأ"؛ فإننا نقف عند حدوده؛ ناسين أو متناسين، غافلين أو متغافلين، جاهلين أو متجاهلين أن الله في الآية التالية قد كشف لنا عن ومضةٍ علميةٍ معجزة بقوله: "خلق الإنسان من علق"، ثم أردفها بتكرار الأمر بالقراءة: "إقرأ وربك الأكرم"، ثم بين لنا أعظم ما قدمه لنا الأكرم، سبحانه وتعالى، فهو: "الذي عَلَّمَ بالقلم"، وكأنه سبحانه أراد أن يبين لنا أنه علّم بالقلم، لأنه هو الأكرم، وأن القلم هو أكرم شيء أنعم الله به علينا نحن البشر؛ فالأكرم أكرمنا بالأكرم؛ الذي هو الأداة الرئيسة لنقل العلم والتعليم: (القلم)، ليختم سبحانه أول آيات الوحي بقوله: (عَلَّمَ الإنسانَ ما لم يعلم) لنعلم أن آفاق العلم واسعة بسعة علم الله، وأنه لا حدود للعلم إلا بمراده ومشيئته، وليبين لنا أدوات العلم: القلم، والقراءة.

والقراءة هي الأصل، بينما القلم هو الفرع... 
فنحن نبدأ بقراءة الكون والعالم من حولنا باستخدام حواسنا طوال اليوم من اليقظة إلى المنام، بل وحتى أثناء النوم: نرى، نسمع، نلمس، نشم ونتذوق... أي أننا في حالة استقبالٍ دائمٍ، بوعيٍ أو بدون وعي، لكل ما يدور من حولنا عن طريق حواسنا؛ فتقوم حواسنا بإرسال ملاحظاتها إلى المخ الذي يسجل ويحلل ويُقيِّم ويصفي ذلك التدفق المعلوماتي الرهيب، ثم يدفعنا إلى الفعل والتجربة استنادًا إلى المعلومات المتوافرة لديه، وتتواصل التجارب ولا تنقطع إلا بانتهاء الحياة، تلك التجارب هي مجرد (معرفة)، وبتكرارها تنشأ خبراتٌ متراكمة، تلك الخبرات تصبح (علمًا تجريبيًا) ثبتت حقائقه بالتجربة الفعلية، وهو ما يفتح الآفاق لإعمال العقل والفكر لمزيدٍ من الاجتهادات حول ما يمكن أن يكون وفق نظريات وقوانين مستنتجة منطقيًا وهو (العلم التجريدي).

وهذا يعني المزيد والمزيد من العلوم، ولكي تنتقل تلك العلوم عبر الأجيال؛ فلا بد من تسجيلها بأية وسيلة ممكنة، والوسيلة التي تُسَجَّلُ بها العلوم هي (القلم)، ولكل زمانٍ ومكانٍ القلم الذي يناسبه... بدءً من الحجارة والآلات الحادة والنقش على الصخور، مرورًا بالريش والأقلام والكتابة على الورق، وانتهاءً - حتى الآن - بلوحات المفاتيح والكتابة على الشاشات الإلكترونية والإنترنت، فالعلم قد انتقل - وينتقل - عبر العصور والأجيال بما سجَّلهُ ذلك القلم. 

إذن فنحن نقرأ خلاصة التجارب والنتائج والخبرات المتراكمة للآخرين في الماضي والحاضر، وهو العلم على اختلاف فروعه وتشعباته، والذي وصل إلينا موثقًا بالقلم المناسب لزمانه ومكانه حتى نقرأه، فإن لم تكن هناك مادةٌ مكتوبةٌ بالقلم (العلم الموثق)؛ فما الذي سنقرأ؟!... فكلُ "إقرأ" لا بد وأن تتبعها "أكتب"، وإلا فلن يكون للقراءة قيمةٌ إلا مجرد معرفة قد انحصرت داخل حدود من قرأها، ثم نبني عليها المزيد من العلم المتراكم بلا نهايةٍ من أجل الارتقاء بالإنسانية لأداء مهمتنا في الحياة على الوجه الأكمل...
إنها مهمة عبادة الله بعمارة أرضه، في ضوء مفهوم خلافة الله فيها، وفق منهجه الذي أنزل على رسوله. 

والخلاصةُ: أنه لا تعمير بدون علم، ولا علم بدون تجربة، والتجربة لا قيمة لها إن لم نتعلم منها، ولكي نتعلم فلا بد أن ندوِّن التجربة ونوثِّقها بتفصيلها، ولا يكون ذلك إلا ب (القلم)، لتناقله عبر الأجيال ل (قراءته)، وفتح آفاق الفكر لمزيدٍ من التجارب للحصول على مزيدٍ من النتائج؛ فتتراكم الخبرات والعلوم الموثقة، وهكذا دواليك إلى أن يأذن الله بنهاية الحياة الدنيا، وبداية الحياة العليا.

وما كانت "إقرأ" إلا الأساس الذي أراد خالقنا أن ننطلق منه ارتكازًا إلى كلٍ من: العلم الربَّاني المتمثل في القرآن والسنة، والعلم الإنساني الذي خلَّفه السابقون عبر تجارب وخبرات متراكمة؛ لنبدأ من حيث انتهوا، ثم نبني عليه ب "اكتب" بفكرنا الربَّاني وشخصيتنا المستقلة؛ لتكتمل الصورة وتنجلي لتحقيق معنى خلافتنا لله في أرضه من أجل تنفيذ المهمة التي أوْكلها إلينا بتعميرها.

ف " اكتب " تبعةٌ لازمةٌ ل " إقرأ ".

ولكن لننتبه! 
فلا بد أن تكون بداية كل ذلك: (باسم ربك الذي خلق)
إقرأ باسم ربك!...
تَعَلَّمْ باسم ربك!...
عَلِّمْ باسم ربك!...
واكتب باسم ربك!

اكتب لتتواصل... لتؤثر... لتقود!
اكتب خواطرك، وما به الفكر يجود!
أطلق خيالك، وحرر ذاتك من القيود!
أخبر الدنيا بما تحلم وماذا تريد!

يمكنك أن تبدأ ولا تتوقف...
كلنا يريد أن يتعلم منك...
يمكنك أن تشاركنا كتابًا ممتعًا قرأته؛ فتفيدينا...
يمكنك أن تخبرنا قصصًا عن تجاربك؛ فتعلمنا...
يمكنك أن تحكى لنا عن واقعك...
مريرًا كان أو جميلا... لا يهم...
المهم هو أن تكتب؛ وتخرج لنا كنوزك.

فلتبدأ الآن! 
ولتكن رسالتك وليكن تأثيرك! 
ولتأخذ مكانك الذي تستحقه في الحياة!
وأخيرًا... اجعل رسالة قلمك لوجه الله و نيْلِ رضاه، 
وإلا فلا تندم إذا وجدته هباءً يوم تلقاه!
فقط... اكتب باسم ربك الذي خلق!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه