الثلاثاء، 22 ديسمبر 2020

في ذكرى وفاة أمي

 

فور إنهاء دراستي الجامعية... كانت مسألة زواجي أهم أولويات أمي، خاصةً وأني أكبر إخوتي سناً... رغم إعلاني للجميع تأجيل التفكير في الأمر لحين استقراري في عمل مناسب ذي دخل جيد.
كان أبي رحمه الله عادةً ما يترك لي الحرية لفعل ما أراه مناسباً... إلا أن أمي لم يكن يعجبها تفكيري في هذا الأمر تحديداً، وظلّت تبحث لي عن عروس من خلال شبكة علاقاتها الواسعة... كان حماسها في أوج اشتعاله رغبةً في رؤية ابنها البكري في عشه مع زوجة تهنيه وتملأ دنياه فرحاً، وتقرّ عينيها بمرح أحفادها منه.
كنت أحاول التهرب من رؤية أي عروس بحجة أني لا أريد أن أكون سبباً في جرح مشاعر أي فتاة إذا لم تعجبني، وفي حال وافقت على رؤية إحداهن (سواء بدون علمها أو في وجود بعض الأهل بشكل غير رسمي)، فلا إشكال عندي كرجل إذا تم رفضي... واستمر الحال هكذا عدة سنوات.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي فاجأتني فيه أمي وبمباركة أبي- رحمهما الله- بتحديد موعد زيارة عائلية (رسمية) للتقدم لخطبة عروس (لم أرها من قبل)، من طرف إحدى صديقاتها المقربات، لتضعني بذلك أمام الأمر الواقع بعدما طال انتظارها لأن آخذ الأمر بجديةٍ دون جدوى.....
كان وقع المفاجأة عليّ صادماً بحق... ولكن لم يكن لديّ بد من التسليم، ولا سبيل إلا الإذعان والذهاب في الموعد المحدد لخطبة تلك العروس؛ احتراماً لاتفاق والديّ...
وبما إني كده كده رايح... فقلت أستفيد وأكسب ثواب استحضار النية للذهاب (براً بأمي) التي كان يعني لها الأمر الكثير.
إرضاءً لِأمِّي و براً بها... ذهبنا (أبي وأمي وأختي وأنا) إلى بيت العروس، وهي من أسرة طيبة تنتمي لإحدى العائلات المعروفة بمحافظة أسيوط، والتي تبيّن أثناء الزيارة أنها كانت (زميلة تختة) لأختي في إحدى المراحل الدراسية.
كان المجلس مليئاً بالألفة... جميع الحضور متوافقين ومنسجمين مع بعضهم البعض، إلا أنا... حيث لم تعجبني العروس ولم أرتح لها وشعرت بانقباض في صدري.
عدنا إلى البيت وأمي أكثرنا سعادة... لم أستطع البوح لها بأني لا أريد الارتباط بتلك الفتاة، فاحتضنتُ حزني و كتمتُ همّي في نفسي؛ حتى لا أفسد عليها سعادتها،
بتّ ليلتي على أمل أن يكون عدم القبول من طرف الفتاة وأهلها، حتى لا أكون أنا سبباً في خذلان أمي، إلى أن تجمّعت خيبات آمال العالم كلّه أمام عينيّ بينما أستمع إلى المكالمة الهاتفية بين أمي وبين صديقتها التي بشّرتها بموافقة العروس وأن أهلها في انتظار تحديد موعد جديد لإتمام اتفاقات و إجراءات الزواج.
تذكرت قصة الثلاثة الذين سدّت صخرة كبيرة عليهم باب كهف أرادوا المبيت فيه وحبستهم داخله، فدعا كل واحد منهم الله عز وجلّ بأرجي أعماله الصالحة التي يظن أنه كان مخلصاً فيها لوجهه تعالى، حتى انفرجت الصخرة ونجاهم الله...
وفي جوف الليل... خلوت بربي أدعوه دعاء مضطر... أردد الدعاء مراراً وتكراراً... ما زلت أذكر هذا الدعاء جيداً: " اللهم إن كنت تعلم أني قد ذهبت لخطبة هذه الفتاة براً بأمي وإرضاءً لها ابتغاء وجهك الكريم، فأخرجني من هذه الورطة، وأبدلني خيرًا منها... زوجةً أفضل منها ديناً وخلقاً وجمالاً ونسباً، وترضى عنها أمي"... بقيت أدعو بهذا الدعاء يقظتي و نومي.
في صبيحة اليوم الثالث... اتصلت صديقة أمي وهي في غاية الخجل لتخبر أمي بأن أهل الفتاة يعتذرون عن المضي في هذه الزيجة، فاستغربت أمي مستفسرةً عن سبب تغيير رأيهم؛ فقالت لها: "أنا مش عارفة إيه اللي حصل!" وأخبرتها بأمر عجيب...
لقد رأت الفتاة في منامها رؤيا غريبة ليومين متتاليين وهي أنه كلما سلكت طريقاً؛ وجدت أمامها حائطاً يحول بينها وبين إكمال الطريق، فأخبرت والدها بذلك وبأن هذه إشارة لعدم المضي في الموضوع، فقال لها والدها بألا تتسرع في اتخاذ أي قرار وبأنه سيصلي بنفسه صلاة استخارة... فإذا بالأب يرى نفس الرؤيا... سبحان الله!... الفتاة وأبوها يريان نفس الرؤيا في ثلاثة أيام متتالية.
عندما علمت بما تم في المكالمة؛ أيقنت أن الله قد أجاب دعائي؛ فسجدت له شكراً، و ذهبت لشيخ صديقي قد فتح الله له باباً من فضله في تأويل الرؤى وسألته عن معنى ذلك؛ فقال لي: "لقد كان الحائط الذي يريانه في مناهما هو دعاءك".
مرت الأعوام و تزوجت أختي ثم أخي، و صار لأبي وأمي أحفاداً منهما، وبقيت أنا (الأخ الأكبر) وحيداً معهما في البيت لثلاث سنوات بعد زواج إخوتي...
إلى أن آن أوان اكتمال تحقق الدعاء، فمنّ الله عليّ بزوجتي حبيبتي وقرة عيني التي هي بحق أفضل من تلك الفتاة ديناً وخلقاً وجمالاً ونسباً، وأصبحت قرة عين لأمي، وماتت أمي وهي راضيةً عنها أيّما رضا.
في مثل هذا اليوم منذ عامين فارقت أمي رحمها الله حياتنا الدنيا، ولكنها تركت لي بركة دعائها تصاحبني، وتصاحب أبنائي وجميع أبناءها وأحفادها إلى يوم القيامة...
فاللهم ارزقني برها بعد مماتها على الوجه الذي يرضيك، واجزها عني وعن إخوتي خير الجزاء، واجمعنا بها و والدي و أحبائنا في فردوسك الأعلى بصحبة حبيبنا صلى الله عليه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ليس أجمل من زيارتك الكريمة .. سوى تفضلك بالتعليق
فهذا مما تزداد به أُخوتنا فى الله .. والعمل لما فيه رضاه